فنون

البيئة والاشتغال التأريخي والفلسفي في رواية “إيزيس تفكر في العودة” لمحمود قنديل

علي لفتة سعيد

ليس غريبا على الأديب المصري محمود قنديل استثماره للتاريخ لكتابة رواية، مثلما ليس غريبا عنه ان تكون اللغة هي الميزان الذي يتوج كل فعالياته التدوينية، وتكون هي المعادل الصوري، مثلما يكون هذا المعادل هو الأس الذي يرتفع بالكتابة التي لا تغادر البيئة الآنية المرتبطة بالتاريخ، وتكون في محاور الحكاية التي تنتج فكرةَ كبيرة.

رواية قنديل”إيزيس تفكر في العودة” الصادرة عن دار غراب تتلخص فكرتها في استدعاء الأسطورة الفرعونية/ إيزيس، لمواجهة مآسي الواقع المعاصر ومساءلة التاريخ العربي والحضاري، حيث تخرج “إيزيس” من تابوتها الحجري برفقة الراوي لتطوف عبر المحطّات التاريخية الحَرِجة، وتستكشف خراب الحاضر وانكساراته (مثل الفقر، الحروب، وتشتت الأمة).  وتدور الفكرة المحورية حول جدلية البعث والتردد، فـ /إيزيس” ترمز للوطن والهوية والعدل، تُحاول جمع أشلاء/ أوزير، المبعثرة، التي ترمز إلى الأمة الممزّقة، لكنها تصاب بالحيرة والتردّد أمام حجم الخراب والجفاف الروحي الذي آل إليه العالم، ليبقى السؤال قائمًا حول إمكانية العودة والنهوض من جديد.

العنوان والأثر

يتجلّى العنوان في رواية بوصفه عتبةً نصّيّةً رئيسة ومفتاحًا تأويليًا ودلاليًا، ينفذ منه القارئ إلى أعماق الرواية ورسالتها الإنسانية والفلسفية.. ويمكن تفكيك هذا الأثر وفاعليته وتأويله عبر المحاور الآتية:

أوّلًا: أثر البُعد السيميائي والنفسي، إذ أنه يثير الدهشة حي يمارس صدمةً أو دهشةً زمنيّة، فهو يزاوج بين كائن أسطوري خالد غارق في القدم/إيزيس، وبين فعل مستقبلي أو مضارع مشروط بالتردد والتأمّل عبر تفكر في العودة.  مما يعطي تكثيفًا في بضع كلمات، أزمة الشخوص وأزمة الواقع معًا، حيث تتحوّل الرواية بأكملها إلى استجابة أو تشريح لهذه اللحظة الفارقة: لحظة التردد بين البعث والخروج من التابوت الحجري، أو البقاء في العزلة والغياب. 

ثانيًا: الدور الوظيفي والسردي ، إذ يعد المُحرك والمُوجّه لحركة السرد، كونه لا يقتصر على لافتة خارجية، بل يتحوّل إلى دينامو تحريكي لأحداث الرواية، إذ إن رحلة الراوي/ حازم وتنقلاته عبر الزمن، من الفرعوني إلى الإغريقي والإسلامي وصولًا للواقع المعاصر إنما جاءت لاختبار إمكانية هذه “العودة”.  وهذا ما ولّد توتّرًا وتساؤلًا ظلّ مترسّبًا في العنوان: هل تكتمل العودة؟ أم أن حجم الخراب والقتلى والفتن في الحاضر والماضي سيجعل “إيزيس” تتراجع عن فكرة العودة؟. وهو يؤدي هنا حالة الربط بين الأسطورة والواقع، كون العنوان صار نصًا له فاعلية رمزية، تجعل القارئ لا يقرأ الأحداث كوقائع تاريخية أو واقعية مجرّدة، بل كحلقاتٍ في سلسلة الصراع الأسطوري الأبدي بين الخير والشر، والبعث والخراب. 

ثالثًا: التأويل الأبعاد الدلالية والفلسفية، وهو ما يعطي مجالا لتفكيك البنيّة الدلالية، إذ نجد ثلاثة أركان رئيسة تحمل تأويلات عميقة:

أوّلها: إيزيس/الرمز والدلالة، وتُمثّل إيزيس في التأويل الروائي، أنها الأم والوطن والهوية، وأنها ليست مجرّد إلهة فرعونيه قديمة، بل هي رمزيّةٌ لمصر وللأمة العربية، ولنقاء البدايات وشخصية المرأة الجامعة للأشلاء. وكذلك هي العدل والبعث، بمعنى القوة التي لا تستسلم للموت والظلم. 

ثانيها: التردد، والوعي/ تفكّر. من خلال صيغة الفعل المضارع “تفكّر” تدل على الحيرة والاستمرارية وعمق المأساة، فالعودة ليست قرارًا حاسمًا أو سهلًا، بل هي مشروطة بوعي إيزيس بما آلت إليه البلاد.  إذ يشير “التفكير” إلى أن العالم المعاصر بخرابه وفتنه وحروبه، كما يظهر في مشاهد اليمن والتاريخ الممتلئ بالصراعات، أصلح بيئةً طاردة حتى للآلهة والرموز الأسطورية، مما يجعل البعث أمرًا محفوفًا بالخوف والتأمل. 

ثالثهما: العودة /الأمل والقيامة: وهي عودة مكانيّة وزمانيّة، وتعني الخروج من التابوت الحجري واستعادة الدور الحضاري والإنساني.  وكذلك فاعلية لملمة الأشلاء، لإعطاء العو\ة فعلها الميتافيزيقي في محاولة لجمع أجزاء “أوزير” المبعثرة والتي ترمز في الرواية لأشلاء الأمة، الهوية المفقودة، والإنسان المعاصر المشتت بين الفقر والحروب والجهل). 

الحكاية والتفاعل التاريخي

تنسج الرواية حكايتها عبر صوت الراوي (الشخصية الرئيسة/ حازم، الذي يعيش حالةً من التجلّي والمناجاة الوجدانية والفلسفية مع الأسطورة المصرية القديمة إيزيس.  وهو هنا ما يعني البعث والقيامة، إذ تبدأ الحكاية بظاهرة البعث، حيث تزيح إيزيس غطاء تابوتها الحجري وتخرج منه لتستكشف خراب الواقع المعاصر وأطلال البلاد.  لتبدأ الرحلة عبر العصور والأزمنة، وتصبح إيزيس بمثابة شارة للبعث والأمل، وسفيرة عبر التاريخ، فتنتقل برفقة الراوي عبر محطات تاريخية وأزمنة متعاقبة. وتتفرع هذه الأزمنة إلأى: 

أوّلًا: الزمن الفرعوني، إذ يتم  استحضار أسطورة مقتل أوزير (أوزوريس) على يد أخيه الشريرة (ست)، وبحث إيزيس عن أشلائه، وتطلّع ولدها الصغير حورس للقصاص والثأر. كما تُستحضر محطات أخرى مثل مأساة الملك الشاب توت عنخ آمون وثورة أخناتون. 

ثانيًا: الزمن الإغريقي، إذ تقاطع الأسطورة مع أسطورة سيزيف وعقابه الأبدي. 

ثالثًا: الزمن الإسلامي والتاريخ العربي، حيث تحصل زيارات ولقاءات رمزية مع خلفاء وقادة تاريخيين، مثل هشام بن عبد الملك، معاوية، هارون الرشيد، صلاح الدين الأيوبي، وعمر بن عبد العزيز، للوقوف على التحولات السياسية، والفتن التاريخية مثل مقتل عثمان وعلي والحسين، وأثر الانقسامات الحرجة. 

رابعًا: الواقع المعاصر، إذ ترصد الرواية انكسارات الواقع الحالي، أوجاع اليمن، والحروب، والفقر، والتشوه العربي، والجفاف الاجتماعي والروحي. 

الشخصيات والبناء الفني والأبعاد الدلالية

للحكاية شخوصها، حتى لو كانت البطولة ليست لشخصية واحدة، فجميعهم أبطال وثانويون، والعكس صحيح. فحازم الراوي، الشاب العاشق لرمزية إيزيس، الذي يُتَّهم بالجنون والعزلة من قِبل مجتمعه وأسرته بسبب تعلّقه المقيم بالبعث والتاريخ والمقبرة. وتراه إيزيس في أحد المشاهد الرمزية، أسطوريًّا يشبه زوجها «أوزير». وإيزيس، الرمز والمُعادل الموضوعي للوطن والهوية ونقاء البدايات والعدل المنتظر. وكذلك أيمن، صديق حازم المعاصر، الذي يمثل صوت التساؤل والحيرة والاشتباك الفكري والحزبي الحاد مع قضايا التاريخ والواقع. وشخصيات أخرى، خديجة/دارين/ياسمين/كوثر، زميلات الراوي في الجامعة، يمثلن أصوات الفكر والتاريخ والثقافة في مواجهة تشظي الواقع. ووالدا حازم، وهما يمثلان الصوت التقليدي الخائف على مصير الابن المشتت، والساعي إلى تزويجه لإنقاذه من عزلته وجنونه المفترض.

لقد استخدم المنتج قنديل تقنية التداعي والبوح الشاعري، باعتماده على لغة سردية شاعرية مكثّفة تُداخل الحاضر بالماضي، والحلم باليقظة، والواقع بالأسطورة؛ من أجل إنتاج رواية لا تُعنى بالتاريخ على أنه طرح مناقشة، بقدر ما أرادها أن تكون مناورة بحثية لأثر التاريخ، من خلال الرمزية المحورية، إيزيس، رمز البعث واللملمة لأجزاء الوطن والأمة المبعثرة.

وست، رمز الطغيان والشر والخيانة والغدر عبر مختلف العصور. وكذلك البحث عن الأشلاء، رمزاً لجمع الهوية العربية والمصرية الضائعة في زحام الفتن والحروب.

بمعنى أن الرواية هي صرخة ومناجاة تاريخية وفلسفية، تُسائل التاريخ العربي والفرعوني عن أسباب انتكاسات الحاضر، وتطرح تساؤلاً جوهرياً: هل يمكن للأمة والوطن (إيزيس) أن ينهضا من التابوت الحجري لجمع الأشلاء والبعث من جديد في وجه الظلم والخراب؟

الاشتغال التدويني وفاعلية الحكاية

يستخدم قنديل آليات فنية وسردية في صياغة النص، للصعود بمعمارية الأدوات والتقنيات لإنتاج الرواية. وقد اعتمد البناء الخاص لتحقيق الفكرة المحورية الرامية إلى سبر أغوار الواقع المعاش ومساءلة التاريخ عبر الأسطورة. وقد تجلّى الاشتغال التدويني عبر الآليات والتقنيات الآتية:

أولاً: المونولوج الاستحضاري التدويني القائم على المناجاة والمخاطبة، عبر تقنية الخطاب المباشر للرمز، حيث اتخذ من تدوين الرسائل والمناجاة الموجّهة من الراوي/حازم إلى إيزيس هيئةً سردية أساسية، لها الأثر الذي خلق حالة من الحميمية والبوح الشاعري، حيث لم تُعامل إيزيس كرمز أسطوري جامد، بل كشخصية حيّة حاضرة في الوعي، يُفضفض لها الراوي بانكسارات الحاضر وأوجاع الأمة.

ثانياً: السرد غير الخطي القائم على تقنية التداعي الحر والمراوحة الزمانية، بالتشابك الزمني، كونه لم يلتزم بالخط الزمني المتسلسل: ماضٍ/حاضر/مستقبل، بل اعتمد على المراوحة السريعة والتداعي الفكري؛ إذ تنتقل الأحداث بلمح البصر من التابوت الحجري للزمن الفرعوني إلى الصراعات الإسلامية، إلى المآسي المعاصرة، وهو ما يعطي الأثر باعتباره تجسيداً للفكرة أن «الزمن واحد»، وأن الشر والطغيان والتشذّر أزمات ممتدة تُعيد نفسها بوجوه مختلفة عبر العصور.

ثالثاً: التناص وتحديث الأسطورة بإعادة تفكيكها، كونه لم يكتفِ بنقل أسطورة كما هي في التاريخ الفرعوني، بل قام بإسقاطها وإعادة تدويرها لتلائم الواقع العربي الراهن. وهو ما ولّد أثراً، إذ أصبح أوزير يرمز للهوية والأمة المبعثرة، وست ترمز لكل صور الخيانة والطغيان عبر التاريخ.

رابعاً: العزلة مقابل المجتمع، بالتدوين النفسي والانطواء السردي، إذ يكون صوت العزلة والاتهام بالجنون على أنه تدوين داخلي يبرز اغتراب الراوي الفكري؛ إذ يظهر الراوي كشخص مأزوم ومُتَّهم بالجنون والعزلة من قبل أسرته ومجتمعه، لتعلّقه بالمقبرة والبعث. مما يولّد أثراً في عمق الاشتغال، على أنه بُعد نفسي للفكرة، باستعراض لحظات التأزم الإنساني الشديدة؛ حيث يُصبح المشغول بالهوية والبعث «مجذوباً» أو «مجنوناً» في نظر مجتمع مستغرق في الماديات والسطحية.

بمعنى أن الاشتغال التدويني سار على منهج هجين يجمع بين السرد الأسطوري المفتوح، والمناجاة الوجدانية، والتقطيع الزمني، ليصوغ نصاً لا يكتفي بحكايات الماضي، بل يحوّل الكتابة الروائية نفسها إلى ورشة لجمع «أشلاء» الواقع وإعادة بنائها من جديد.

اللغة وتفعيل الحكاية

تعمل اللغة في الرواية على أنها ميزان التكافؤ بين كفتي الفكرة والحكاية وربطهما بالبيئة، وللغة أثر محوري وجوهري في تفعيل الحكاية ونقلها من مجرد سرد لواقعة أسطورية أو تاريخية إلى تجربة شعورية وفلسفية حيّة. بمعنى أنها المحرك الأساسي للبناء الدرامي، والوعاء الذي امتزجت فيه الأسطورة بالواقع. وقد تجلّى استخدام اللغة واشتغالها في النص عبر عدة مستويات وأساليب فنية:

أولاً: تفعيل البعد الأسطوري: اللغة الشاعرية والبوح الوجداني

من خلال تمكّنه من كيفية الاستخدام، بالاعتماد في مناجاة الراوي/حازم لشخصية/إيزيس على لغة شاعرية مكثفة تفيض بالرموز والصور البلاغية، مما أعطاها الأثر في الحكاية، وأنها منحت الأسطورة حياة جديدة. فلم تعد إيزيس تمثالاً أو نصوصاً فرعونية قديمة، بل أصبحت كائناً حيّاً يُخاطب ويُناجى، مما أضفى على الحكاية بعداً روحانياً وعاطفياً يشد القارئ إلى عالم «البعث والقيامة».

ثانياً: المزاوجة بين التجريد والواقع/ ثنائية المستويات اللغوية

فقد زاوج المنتج في الاشتغال اللغوي بين مستويين متمايزين؛ أولهما المستوى الرمزي/الفلسفي، بلغة تعبيرية شفافة تُستخدم عند الحديث عن التاريخ، والمقبرة، والتابوت الحجري، ولملمة الأشلاء. وثانيهما المستوى الحواري/الواقعي، بلغة أكثر بساطة ومباشرة تُستخدم في الحوارات بين الراوي وصديقه/أيمن، أو زميلاته في الجامعة، وعند رصد مآسي الواقع العربي المعاصر. وهو ما ولّد أثراً بتحقيق المزاوجة توازناً في السرد، ومنعت النص من الانغلاق في الفانتازيا والغموض من جهة، ومنعت هبوطه إلى التقريرية المباشرة من جهة أخرى.

ثالثاً: تكسير التسلسل التقليدي/ اللغة التداعية والإيقاع الزمني

فقد استغل مرونة اللغة وسرعة تحوّلاتها لبناء جمل قصيرة ومتلاحقة تعكس التداعي الحر للأفكار والذكريات، مما ولّد أثراً بتمكين التقنية اللغوية من الانتقال السلس والسريع بين الأزمنة، دون أن يشعر القارئ بانقطاع سردي، بل بدت العصور والتأملات متداخلة في وعي الراوي ولغته.

رابعاً: صناعة المعادل الموضوعي/ لغة التكثيف والترميز

فقد شُحنت المفردات بدلالات رمزية مكثفة، فكلمات مثل/ التابوت، والأشلاء، والغطاء الحجري، والجفاف، والبعث، لم تُستعمل بمعانيها الحرفية فحسب، بل كمعادلات موضوعية لرموز الوطن، والهوية المبعثرة، والانكسار الحضاري، والأمل في النهوض. مما ولّد أثراً بتعميق الفكرة الفلسفية للرواية، وجعل كل مشهد سردي يحمل في طياته دلالات سياسية واجتماعية وإنسانية واسعة.

بمعنى أن اللغة لم تكن أداة لنقل الأحداث المجرّدة، بل كانت هي الحادثة نفسها، حيث نجح، عبر اشتغاله اللغوي المتنوع بين الشاعرية والواقعية والتكثيف الرمزي، في شحن الحكاية بالطاقة الدرامية، وجعل حركة البعث المترددة التي تعيشها إيزيس تتجسد في إيقاع الكلمات وجمل السرد.

الفلسفة وصناعة الفكرة

مثل هكذا حكايات تمازج بين أزمنة عديدة، يبدو الجانب الفلسفي ليس مجرد طارئ، أو كما يقال، مِلحاً فكرياً يعطي طعماً لحلاوة النص، بل اعتمد فيها على طرح الفلسفة كبناء بؤري وفعّال لتأويل الفكرة وتفعيل الحكاية. فالرواية بُنيت هيكلياً على فلسفة التأويل والمحاكمة الوجودية للواقع، وتتجلّى هذه الفاعلية الفلسفية في النص عبر أبعاد متداخلة:

أولاً: الفلسفة كبناء هيكلي وليس مجرد أفكار مبعثرة/ صناعة المعنى عبر الرمز

فالمنتج لم يطرح مقولات فلسفية جافة أو نظريات مؤطّرة، بل حوّل الفلسفة إلى بنية سردية حيّة بالأسطورة، وهي المعادل الفلسفي لأسئلة الهوية والعدل والوجود والزمن. فالبناء الجدلي، والتأرجح بين البعث والعدم، كانا في البناء الدرامي القائم على جدلية سؤال فلسفي: هل البعث ممكن؟ أم أن العدم والجفاف الروحي أجهضا كل محاولة للقيامة؟ لتكون عملية البحث عن الإجابة هي المحرّك لكل مجريات السرد والتنقلات الزمانية.

ثانياً: تجليات الطرح الفلسفي في التأويل

فقد حملت الرواية مفارقات الواقع والأسطورة، والتاريخ وما كُتب عنه، والواقع وما حُمّل به، وقد جاءت عبر أربعة متركزات:

أالزمن الدائري/التراكمي/ فلسفة الزمن والتاريخ

إذ تعامل مع الزمن بطريقة فلسفية تفكّك الفوارق بين الماضي والحاضر. فالتاريخ ليس أحداثاً متمثلة في صفحات الكتب، بل هو دائرة مغلقة تتكرر فيها المأساة، فالطغيان…

بالتفكيك وإعادة البناء/ فلسفة البعث/ وجمع الأشلاء

إذ تحوّلت عملية جمع الأشلاء المبعثرة من فعل أسطوري سحري إلى فلسفة لإصلاح الذات والوطن. وأن التفكك لا يصيب الجسد فقط، بل يصيب الروح والهوية، والتأويل الفلسفي هنا يُحيل إلى أن القيامة والنهوض لا يحدثان إلا بِلَمْلَمَة الوعي الجمعي وإعادة صياغة الهوية الوطنية والإنسانية الممزقة.

جـفعل التفكير في العودة/ فلسفة التردد والوعي

وهنا تكمن ذروة الطرح الفلسفي في الرواية؛ إيزيس تتأمل وتتردد. إن قرار عدم العودة القاطعة، أو التردد في خوض البعث، يعكس موقفاً فلسفياً نقدياً تجاه الواقع، وهو مظلم ومعطوب بالجهل والحروب، ليصبح بيئة طاردة حتى للرموز والأفكار العظيمة، مما يجعل الوعي مصدرًا للمأساة والتردد بدلاً من الخلاص الفوري.

دفلسفة الاغتراب والجنون

إذ تم طرح قضية اغتراب الذات العارفة. والفلسفة هنا تُظهر كيف يتحول الإنسان المنسجم مع الأسئلة الكبرى والهوية والتاريخ إلى شخص مجنون أو معزول في نظر مجتمع سطحي يغرق في الماديات واليومي المبتذل.

استثمار التاريخ وفاعلية البيئة

استثمر المنتج التاريخ استثمارًا مكثّفًا، بفاعليته التدوين، والبناء الهندسي والفلسفي، حيث لم يكن التاريخ خلفية زمنية أو توثيق أحداث ماضية مجرّدً، بل تحوّل إلى مختبرٍ وأداةٍ تشريحيةٍ لمساءلة الحاضر.  وكان الاستثمار عبر المحاور التالية:

أوّلًا: الانتقال عبر الأزمنة، إذ لم يستحضر حقبةً تاريخيةً واحدة، بل تنقّل عبر محطّاتٍ وفتراتٍ تاريخيةٍ حاسمة: 

أ- العصر الفرعوني، استثمار أسطورة مقتل/ أوزير على يد /ست/”، وثورة أخناتون الدينية، ومأساة توت عنخ آمون، للبحث عن جذور العدل والشر ومفاهيم البعث والخلود. 

ب- العصر الإغريقي، تقاطعها مع الأساطير اليونانية كأسطورة سيزيف، وعقابه الأبدي، كرمز للمكابدة الإنسانية والتكرار الأبدي للمأساة. 

ج- التاريخ الإسلامي والعربي، استحضار زيارات ومواقف مع قادة وخلفاء، مثل معاوية بن أبي سفيان، هشام بن عبد الملك، هارون الرشيد، عمر بن عبد العزيز، وصلاح الدين الأيوبي. 

ثانيًا: التاريخ بوصفه دائرة مغلقة، حيث تم إسقاط الماضي على الحاضر، مستثمرًا التاريخ، ليتساءل عن جذور انتكاسات الواقع المعاصر؛ فالتاريخ في الرواية يعيد نفسه. 

ثالثًا: تقنية التداعي التاريخي في الاشتغال السردي، بهدف كسر النمط التوثيقي الجاف.. فلم يُدوّن التأريخ بأسلوب المؤرخّين أو السرد المباشر، بل عبر التداعي الحر والمستمر بين الماضي والحاضر، فتراه ينتقل في الفقرة نفسها من المقبرة الفرعونية إلى أزقة العواصم العربية المعاصرة، ثم إلى حوار مع خليفة عباسي أو أموي. وهو ما يعني معاملة الشخصيات لا كرموزٍ مقدّسةٍ أو جامدة، بل يضعها في موضع المحاكمة والمساءلة الوجدانية للوقوف على أسباب.

وهو ما يعني أن استثمار التأريخ، استثمارًا وظيفيًا وذكيًا، حيث جعل من التاريخ مادّةً حيّة وشاهدًا على محاكمة الواقع.

لقد نجحت المنتج في تقديم تجربةٍ روائيةٍ متماسكةٍ، ارتكز ثقلها الفني منذ العنوان، على التلاحم الوثيق بين البيئة المأزومة والاشتغال الحكائي الشاعري والمفتوح. وإنه ويضع القارئ أمام مرآة تأريخيه وفلسفية، وجعله شريكًا في الإجابة عن السؤال الجوهري الذي يختزله العنوان، هل تستطيع /إيزيس/ التي تمثل الوطن/الهوية، أن تعود وتلملم الأشلاء، أم أن حجم الخراب جعل العودة مجرد فكرة حائرة في التابوت؟ 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان