ثقافة شعبية

كتاب الصور.. ذاكرة معلقة بين الزمن والحنين

علاء أحمد الشاهين

الصورة ليست مجرد لحظة زمكانية يتوقف عندها الزمن، ولا مجرد إطار يحدد مكاناً ويحتفظ بملامح عابرة. الصورة، في جوهرها الأعمق، هي محاولة الإنسان لإنقاذ شيء من الفناء، لحظة ينتزعها من سيل الأيام، ويتركها معلقة في مكان ما بين الذاكرة والحنين.

ولهذا، فإن قيمة الصورة لا تكمن في كونها وثيقة تحفظ هيئة الأشخاص والأمكنة كما كانت، فحسب، وإنما في قدرتها الغريبة على إستعادة الإحساس الذي رافق تلك اللحظة.

قد تمر عشرات السنين، وتتغير الوجوه، وتختفي الأمكنة أو تتبدل ملامحها، لكننا حين نعود إلى صورة قديمة نشعر، على نحو مفاجئ، بأن شيئاً في داخلنا لم يتغير. كأن الصورة لا تستعيد الماضي بقدر ما تستعيدنا نحن إلى ذواتنا القديمة، إلى ما كنا عليه، وما شعرنا به، وما لم نكن نعرف يومها أنه سيصبح بعد سنوات جزءاً من حكايتنا.

من هنا تأتي أهمية (كتاب الصور) ، الذي لا يمكن النظر إليه بوصفه مجرد كتاب يجمع صوراً قديمة ونصوصاً ترافقها. فالكتاب، بما يحتويه من صور وكتابات، يبدو أشبه برحلة في الزمن، رحلة لا يمكن قياسها بالسنوات بقدر ما تقاس بما تثيره الصور من مشاعر. كل صورة فيه تفتح نافذة على زمن مضى، وكل نص يحاول أن يمنح تلك النافذة صوتاً وحكاية، بحيث لا تبقى الصورة صامتة أمام القارئ.

و ما يلفت في هذا العمل أن الصورة والنص لا يتنافسان على سرد الحكاية، بل يكمل أحدهما الآخر. الصورة تمنحنا ملامح اللحظة، فيما يأتي النص ليحاول الاقتراب من روحها. وبين الاثنين تتشكل مساحة ثالثة هي مساحة الذاكرة، تلك المساحة التي لا تخضع تماماً للمنطق ولا للتسلسل الزمني، لأنها تتحرك وفق ما يختزنه القلب من شوق وحنين وألم وفرح.

لقد نجح الدكتور ياسين وامي والدكتور لؤي حمزة عباس في جمع هذه المادة وتحريرها بطريقة تجعل القارئ لا يكتفي بالنظر إلى الصور، بل يشعر بأنه يعبر معها إلى زمنها. وهذا هو التحدي الأصعب في مثل هذه الأعمال، فالصورة القديمة قد تكون شديدة الأهمية بالنسبة إلى صاحبها، لكنها لا تصبح أدباً أو ذاكرة مشتركة إلا عندما تستطيع أن تستثير لدى القارئ شيئاً يتجاوز حدودها الخاصة.

لذلك، فإن أجمل ما في (كتاب الصور) أنه لا يتعامل مع الماضي باعتباره زمناً انتهى، بل باعتباره زمناً قابلاً للاستعادة. فالصور هنا ليست قبوراً للذكريات، وإنما أبواباً إليها. وما إن يفتح القارئ واحداً منها حتى يجد نفسه أمام وجوه وأمكنة وأيام لم يعشها بالضرورة، لكنه يستطيع، بفعل الصورة والكلمة، أن يتخيلها ويشعر بوطأتها.

ولعل هذا هو سر الصورة الحقيقي: أنها تمنحنا وهماً جميلاً بأن الزمن يمكن إيقافه. نعرف، بالطبع، أن الصورة لا تستطيع إعادة الذين غابوا، ولا إعادة الأيام كما كانت، لكنها تمنحنا شيئاً ربما يكون أكثر أهمية، تمنحنا القدرة على أن نلتقي بالماضي مرة أخرى، ولو للحظات، وأن نسمع صدى أصواته في داخلنا.

لهذا تتسارع دقات القلب ونحن نقلب صفحات (كتاب الصور) . ليس لأننا نرى صوراً جميلة أو قديمة فحسب، وإنما لأننا نكتشف، صورة بعد أخرى، أن الزمن الذي نظنه مضى تماماً لا يزال يحتفظ بمكان له فينا، وهنا تتحول الصورة من وثيقة إلى ذاكرة، ومن ذاكرة إلى إحساس، ومن إحساس إلى أدب قادر على أن يعيد الماضي إلى الحياة، ولو على الورق.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان