حمدي العطار
احتضنت جمعية الثقافة الكلدانية في قضاء عنكاوا، بالتعاون مع الملتقى الثقافي المفتوح في أربيل، مساء الأربعاء 12 آب 2026، أمسية ثقافية احتفت بالأديب ناهض الهندي وروايته الجديدة “دار قابيل”، بحضور نخبة من الأدباء والمثقفين والمهتمين بالشأن الثقافي.
وتضمنت الأمسية، التي أدار حوارها الناقد طالب زعيان، جلسة حوارية تناولت تجربة ناهض الهندي في كتابة الرواية، وتوقفت عند أبرز المضامين الفكرية والفنية في “دار قابيل”، وما تطرحه من أسئلة تتصل بالإنسان والذاكرة والقمع والتحولات التي تتركها التجارب القاسية في حياة الفرد والجماعة.
كما شهدت الجلسة قراءات نقدية ومداخلات حضورية وأخرى بالنيابة عن عدد من النقاد العراقيين، تناولت البناء الروائي والشخصيات والأسلوب السردي، فضلاً عن الظروف والتجارب التي أسهمت في تشكيل عالم الرواية.
وفي ختام الأمسية، وقع ناهض الهندي نسخاً من روايته للحاضرين والقراء، في فعالية عكست حضور الأدب بوصفه مساحة للحوار واستعادة الذاكرة والتواصل بين الكاتب والمتلقي.
*رواية السجون بين السيرة والتوثيق
في ورقة نقدية الناقد حمدي العطار قدمت خلال الجلسة، حاولت الوقوف عند القيمة الفنية والتوثيقية لرواية “دار قابيل”، انطلاقاً من طبيعة رواية السجون بوصفها من أكثر الأشكال السردية التصاقاً بالتجربة الإنسانية القاسية، لأنها غالباً ما تستند إلى الاعتقال وما يرافقه من قهر وتعذيب نفسي وجسدي وما يفرضه ذلك على الإنسان من صبر ومقاومة ومحاولة للحفاظ على كرامته.
وتتقاطع رواية السجون في كثير من الأحيان مع السيرة الذاتية لأنها تستعيد جانباً من حياة الشخصية في أكثر مراحلها قسوة وتحول التجربة الشخصية إلى شهادة أدبية على مرحلة تاريخية مضطربة.
وفي “دار قابيل”، تتداخل التجربة الشخصية مع الذاكرة الجمعية، ولا يعود السجن مجرد مكان تجري فيه الأحداث، بل يتحول إلى فضاء كاشف لمرحلة سياسية واجتماعية كاملة. فالرواية لا تكتفي بسرد معاناة السجين وإنما توثق تفاصيل الحياة داخل المعتقل، وأساليب التعذيب، والخوف، والانهيار، واليأس، ومحاولات الإنسان مقاومة السجن والحفاظ على ما تبقى من إرادته.
وتكمن الصعوبة الفنية في رواية السجون في قدرة الروائي على خلق حركة سردية متصاعدة داخل مكان مغلق، تكون أحداثه محكومة بظروف الاعتقال والتحقيق والمحاكمة. لذلك يعتمد هذا النوع من الروايات بدرجة كبيرة على بناء الشخصيات، والوصف، واستعادة الذاكرة، والحوار الداخلي والخارجي.
وقد بدا هذا واضحاً في القسم الأول من “دار قابيل”، حين ركز الروائي على شخصية البطل المعتقل بسبب انتمائه السياسي إلى الحزب الشيوعي، مع حضور محدود للاسترجاع والحوار، مقابل مساحة واسعة للوصف ولا سيما وصف السجن وأدوات التعذيب فضلاً عن وصف المشاعر والآلام التي تعيشها الشخصية الرئيسة.
يقول الروائي:
“بدأنا في هذه الزنزانة شطراً جيداً من عيشنا، نشكل فيه عالماً جيداً خاصاً بنا. نصنعه بطريقة بدائية تحكي قصة إنسان يحاول أن يبعد جدراناً وإن استمرت بالثبات في محلها…”
ويسترسل السرد في وصف الشتاء وطول الليل وغياب الكتاب والمذياع والتلفزيون وكيف يتحول الزمن داخل السجن إلى عبء ثقيل بينما يحاول المعتقلون البحث عن وسائل لقتل الوقت، واستعادة تفاصيل التحقيق أو ابتكار وسائل بسيطة للتسلية.
ولا يبدو هذا الاستطراد مجرد وصف زائد، بل يؤدي وظيفة سردية وتوثيقية؛ فالروائي يريد أن يضع القارئ في قلب التجربة، وأن يجعله يشعر بثقل الوقت وضيق المكان وقسوة العزلة. وهنا يصبح السجن أكثر من جدران وأبواب مغلقة إذ يتحول إلى محاولة مستمرة لتحطيم الإنسان نفسياً قبل جسده.
*من التوثيق إلى السرد القصصي
بعد انتهاء التحقيق والوصول إلى محكمة الثورة ومعرفة البطل ومجموعة من المعتقلين مصيرهم حيث صدر الحكم بالإعدام قبل تخفيفه إلى السجن المؤبد يأخذ السرد اتجاهاً مختلفاً: إذ يتراجع التركيز على الوصف التفصيلي للمكان، ويتجه الروائي إلى رسم ملامح شخصيات متعددة تشارك البطل فضاء المعتقل.
ويمثل هذا التحول أحد الجوانب المهمة في البناء الفني للرواية لأنه يكسر رتابة المكان المغلق ويفتح أمام القارئ نوافذ على تجارب متعددة بحيث تصبح لكل شخصية حكايتها ومأساتها وطريقتها الخاصة في مواجهة القمع.
ومن بين هذه الشخصيات الشاعر والمصرفي يوسف الديوه جي، الذي تعرض للاختطاف بكمين سري في صورة تكشف جانباً آخر من أساليب الأجهزة الأمنية في التعامل مع المعارضين والمشتبه بهم ولا سيما الإخفاء والتعتيم على مصير المعتقل.
يقول السارد:
“لم يكن اعتقاله علنياً بل جرى اختطافه بكمين سري، لم يعرف أحد بأمره مطلقاً. قبع لأكثر من عام في إحدى الزنزانات المظلمة الانفرادية…”
تكشف حكاية يوسف عن مأساة لا تقتصر على المعتقل نفسه، بل تمتد إلى عائلته التي تعيش بدورها حالة من الانتظار والخوف والقلق، بين أمل العثور عليه والخشية من مصير مجهول.
وحين ينتهي مصيره ومصير رفاقه بالإعدام شنقاً، لا يعود يوسف مجرد شخصية روائية، بل يتحول إلى نموذج لجيل من العراقيين الذين قادتهم مواقفهم السياسية والفكرية إلى السجن والموت.
*تعدد الشخصيات وتعدد وجوه المأساة
لا يكتفي الروائي بحكاية يوسف الديوه جي، بل يقدم مجموعة من الشخصيات التي تكشف كل واحدة منها جانباً من جوانب المأساة.
فنلتقي بعلي أكبر صاحب محل المجوهرات والحلي الذهبية كما نتعرف إلى قصة فتاة تعرضت للاعتداء ويحاول السارد استعادة كرامتها من خلال التأكيد على أن مقاومتها كانت انتصاراً على من أرادوا تحطيمها:
“إن شرفك وعفتك هي عشقك للحرية الذي صارعت به الوحوش الكاسرة وبه انتصرت عليها. أنت ما زلت خالدة في قلب وعقل كل من مررت به”.
وهنا ينتقل السرد من وصف الجسد المعذب إلى تكريم الروح المقاومة فلا تتحول الضحية إلى مجرد موضوع للعنف وإنما تصبح رمزاً للكرامة والحرية.
ومن الشخصيات اللافتة أيضاً شخصية الراعي القروي التي يصفها الروائي بالطيبة المفرطة قبل أن يجعل منها مدخلاً لمناقشة أثر العقيدة حين تتحول إلى ممارسة مغلقة لا تقبل التفكير والمراجعة. ومن خلالها يطرح النص سؤال العلاقة بين الإنسان والموروث وكيف يمكن للفكرة حين تؤخذ بلا تعقل أن تتحول إلى سلطة على الإنسان نفسه.
وهكذا يصبح السجن في الرواية أشبه بمرآة تكشف طبائع البشر واختلاف استجاباتهم للخوف والقهر والعزلة.
*”دار قابيل”.. الرواية بوصفها ذاكرة
تتمثل القيمة الأبرز في “دار قابيل”في عدم تعاملها مع السجن بوصفه مكاناً روائياً مغلقاً، وإنما بوصفه ذاكرة مفتوحة على مرحلة سياسية كاملة.
فالتفاصيل الصغيرة التي يوردها الروائي، من الزنزانة والتعذيب إلى الانتظار والمحاكمة، ومن الخوف إلى التعلق بالحياة، تمنح النص قيمة توثيقية إلى جانب قيمته الفنية.
لكن الرواية لا تتوقف عند حدود الوثيقة، فالروائي يحاول تحويل الوثيقة إلى مادة سردية من خلال الشخصيات والحكايات والاسترجاع والوصف، وبذلك تنتقل الذاكرة من مستواها الفردي إلى مستوى الذاكرة الجماعية.
ومن هنا يمكن النظر إلى “دار قابيل” باعتبارها محاولة أدبية لاستعادة جزء من تاريخ السجون السياسية في العراق، ليس من خلال تسجيل الوقائع فقط، وإنما من خلال إعادة تشكيلها فنياً، ومنحها أصواتاً وشخصيات وحكايات تجعل الماضي قابلاً للقراءة والتأمل.
*ملاحظة نقدية
كنت أتمنى لو أن تجربة الاعتقال والسجن والتعذيب التي عاشها الروائي ناهض الهندي اتخذت مساحة أوسع، وربما كان من الممكن أن تتحول إلى مشروع روائي يمتد في أكثر من جزء، تتغير فيه الأزمنة والأمكنة، وتبقى الشخصية الرئيسة خيطاً رابطاً بين المراحل.
وكان مثل هذا البناء سيمنح الكاتب مساحة أوسع للانتقال بين الماضي والحاضر والمستقبل، وتطوير الشخصيات والأحداث، بدلاً من أن تظل حركة السرد مرتبطة بدرجة كبيرة باستعادة الماضي.
ومع ذلك، فإن هذه الملاحظة لا تنتقص من قيمة التجربة، فالروائي ناهض الهندي يمتلك أدواته السردية، ويعرف كيف يختار وسيلته في التعبير، ولا يبدو أسيراً لوصفة جاهزة أو تابعاً لصوت نقدي يملي عليه طريقه.
إن “دار قابيل” ليست رواية عن السجن وحده، بل رواية عن الإنسان حين يدفع إلى أقصى حدود احتماله، عن الخوف حين يتحول إلى مقاومة، وعن الذاكرة حين تصبح شهادة، وعن الألم حين يتحول إلى سرد.
ولعل أهمية الرواية تكمن في قدرتها على الاحتفاظ بذاكرة مرحلة لا ينبغي أن تضيع تفاصيلها، لأن الأدب في إحدى وظائفه الكبرى لا يكتفي بأن يحكي ما حدث بل يطرح السؤال الأعمق: كيف استطاع الإنسان أن يبقى إنساناً وسط كل ذلك الخراب؟









