فنون

ستار لقمان ..

حارس المدرسة التشكيلية البغدادية

عدنان الفضلي

يعدّ الفنان التشكيلي ستار لقمان أحد أهم الرسّامين العراقيين من جيل ما بعد الروّاد، فهو ومن خلال تجربة امتدت لأكثر من ستة عقود، ترك بصمته الحقيقية في المشهد التشكيلي العراقي، وصار النقّاد يشيرون لتلك التجربة بأنها من أنضج التجارب بسبب تنوع الاشتغالات، وبسبب أنه قدّم المدرسة البغدادية بأبهى صورها.

منذ طفولته كان هذا الفنان مولعاً بالتشكيل، ويبدو من خلال سرده لحكايات طفولته، بأنه لم يتعلّق بالتشكيل من قلبل التقليد أو المصادفة، بل بذرة مغروسة في جيناته الوراثية التي نمت وأزهرت مع مرور الوقت، فوالده  يمتلك حباً خاصاً لتصميم وتنفيذ الزخارف الإسلامية على الطابوق المزخرف، كما ما هو معمول في العمارة ذات الطراز العباسي.

أما والدته وبحسب قوله وبالرغم من أميتها فكانت تجمعه مع أخوته وهم صغار وترسم لهم على الورق رسومات بسيطة لطيور وورود وقوري الشاي،ومن ذلك الحين تعلّق بالتشكيل، الذي رافقه خلال مراحل الدراسة الابتدائية والمتوسطة والإعدادية وكانت شجرة إبداعه تكبر عاماً بعد عام حتى أصبحت جزءاً أصيلًا من تكوينه.

ستار لقمان قي بداياته كان وأسوة بأغلب الفنانين المبتدئين متأثراً بالمدرسة الواقعية، وقد تجلى ذلك باللوحات التي رسمها في مقتبل تجربته الإبداعية، لكن التغيّر الذي حصل هو أنه أطّلع يوماً على رسومات ومنمنات الرسّام العباسي (يحيى بن محمود الواسطي) فقرر أن يسلط طريقاً مغايراً وبعيداً عن الواقعية، لأنه صار يؤمن أنه لا ينبغي للوحة أن تكون مجرد صورة، بل يجب أن تمتلك مدلولاً وتأثيراً ورسالة بحسب قوله.

تجربة الفنان التشكيلي ستار لقمان مشبّعة بالأساليب والمدارس الفنية، فقد تتلمذ على يد أساتذة كبار أثروا به بشكل واضح، وقد جرّب الأساليب المحلية والعالمية ورسم وفق مدارس متعددة، باحثاً عن طريق يخصّه وحده أو يقترب من طموحاته، وهذا البحث أوصله الى قناعة أن المدرسة العراقية المحلية هي الأقرب لروحه. 

حين أيقن ستار لقمان المدرسة العراقية صار عاشقاً لأعمال معينة تخصّ الفنانين الكبيرين الراحلين جواد سليم وفائق حسن، فهو يرى في الأول رساماً بروح عراقية أصيلة تحاور الحداثة الأوربية، بينما يشعر أن لوحات فائق حسن كانت تحاوره وتخاطب وجدانه.

كانت بغداد هي الحاضرة الأكبر في أعمال ستار لقمان، فالمتتبع والمتلقي لأعماله سيجد المجتمع البغدادي هو الثيمة الأكثر حضوراً في تلك الأعمال، فهو يبدو متأثراً بذلك الموروث ومتعلقاً بكل من اشتغل على الرؤى الإنسانية العراقية بصورة عامة والبغدادية بصورة خاصة، فصار يقدم لوحاته متقاربة مع فضاءات الأغنية الشعبية البغدادية ولكن برؤى حداثية متطوّرة، بل أنه يطمح بحسب قوله، إلى استمرار روح (مدرسة بغداد الفنية) لأنها تمثل الهوية الثقافية والبصرية مهما تغيرت المفاهيم والأساليب، مؤكداً على أن تأثيرها لن ينتهي، مثلها مثل الحضارة السومرية التي لم ينته تأثيرها في الفنون جميعها.

يؤمن ستار لقمان بأن اللوحة يجب أن تمنح المشاهد فرصة للحوار معها، بل ويدعو لأن يقف المتلقي أمامها طويلاً ليشعر أن أشخاصها يتكلمون ويتحاورون فيما بينهم، حتى توقظ داخله فكرة الانتماء للعراق، كما يرى أن اللوحة التي لا تترك أثراً أو إحساساً لدى المتلقي، تبقى قصة ناقصة، لذلك على الفنان أن يرسم لوحة تتسلل إلى أعماق الذاكرة وتمنح المشاهد متعة الجمال وموسيقى الألوان، وتظل حاضرة في وجدانه حتى بعد مغادرته لها.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان