مروان ياسين الدليمي
شمس حزيران كانت معلقة فوق المدينة مثل قرص نحاسي ضخم. الوهج يهبط عموديًا من السماء ويصطدم بالأرض ثم يرتد إلى الوجوه. أما السقف الشفاف البلاستيكي الأبيض الذي غطى فناء محكمة بداءة الموصل حيث كنت أقف، فلم يكن يقي من الحر، بل كان يحبس الأنفاس كما يحبس الغطاء الزجاجي بخار الماء فوق قدر يغلي. كان الناس يتكدسون أمام الشبابيك. رجال يحملون ملفات منتفخة. نساء يمسكن بأكياس نايلون رقيقة فيها وثائقهم. شيوخ يحدقون في الأرض. موظفون يضعون الأختام فوق الأوراق بإيقاع يشبه دقات مطارق صغيرة في مصنع قديم. وفي وسط ذلك كله كنت أقف حاملًا أضبارة جدتي التي ماتت منذ سنوات بعيدة. لكنها ما زالت تنتقل من دائرة إلى أخرى. ومن دفتر إلى آخر. ومن ختم إلى ختم. كأن الموت نفسه لم ينجح في إقناع الدوائر الرسمية بأنها رحلت.
ناولت الموظفة الملف. قلبت الأوراق. ثم سألتني من وراء الشباك الحديدي:
“ما اسم زوجها؟”
رفعت رأسي إليها. كانت تجلس تحت مروحة تدور ببطء يشبه دوران فكرة متعبة في رأس شيخ هرم. أصابعها تقلب أوراق الملف بلا اكتراث، كما لو أنها تنقب في مقبرة قديمة اعتادت زيارة موتاها كل يوم. خلفها تراكمت الأضابير على الرفوف حتى بدت كجدار آخر داخل المحكمة، جدار مصنوع من الورق والغبار والأسماء المنسية.
فتحت فمي لأجيب. لكن شيئًا لم يخرج. في تلك اللحظة شعرت بأن السؤال لم يكن موجّهًا إلى جدتي، بل إليّ أنا. كأنّ الموظفة مدت يدها عبر الشباك وأدخلتها في رأسي لتفتش بين الذكريات.
“ما اسم زوجها؟”
أعادت السؤال.
أدركت أنها تقصد جدي. لكن الاسم لم يكن هناك. كان ينبغي أن يكون حاضرًا مثل باب البيت أو مثل رائحة الخبز في الصباح أو مثل الندبة الصغيرة فوق حاجبي الأيسر. كان اسمًا سمعته مئات المرات. اسمًا حملته العائلة سنوات طويلة. ومع ذلك اختفى فجأة، كحجر سقط في بئر ولم يعد له صوت.
وقفت مرتبكًا. صامتًا.
الموظفة تنتظر.
الطابور خلفي ينتظر. والاسم غائب.
في تلك اللحظة عاد إليّ مشهد قديم. كنت طفلًا. وجدتي جالسة قرب ماكينة الخياطة. تحدق فيها. ثم تلتفت نحونا وتسأل:
“لمن هذه العربة؟”
ضحك الجميع. حتى هي ضحكت. أما الآن فلم أضحك. لأنني فهمت متأخرًا أن العربة لم تكن عربة. وأن المشكلة لم تكن في الاسم الذي نسيته. بل في الطريق المؤدي إليه. ذلك الطريق الذي بدأ يختفي.
منذ نحو عامين وأنا أشعر أن أحدًا ما يسكن رأسي. ليس شخصًا. ولا مرضًا واضح المعالم. بل عامل هدم صامت. يأتي ليلًا. يفك حجرًا واحدًا. ثم يغادر. في الصباح لا ألاحظ شيئًا. بعد أسبوع يسحب حجرًا آخر. ثم ثالثًا. حتى أكتشف فجأة أن جزءًا من الجدار اختفى. مرة أنسى اسم شاعر. مرة اسم ممثل. مرة عنوان شارع. وقبل أسابيع نسيت تاريخ ميلادي. كنت جالسًا مع أسرتي بعد العشاء. وكان الحديث عاديًا. ثم وجدت نفسي أسألهم:
“متى ولدت أنا؟”
ساد الصمت. لم يكن صمت استغراب. بل صمت اعتراف. كأنهم كانوا ينتظرون هذه اللحظة منذ مدة. رأيت النظرات تتنقل بينهم. زوجتي. ابني الأكبر. بناتي. وللمرة الأولى شعرت بأنني أجلس على الجهة الأخرى من العمر. الجهة التي كان يجلس فيها الكبار عندما كنت صغيرًا. الجهة التي تبدأ منها الحكايات الحزينة.
قالت زوجتي بعد ذلك بأيام:
“ربما النسيان وراثة في عائلتكم.”
كانت تحاول التخفيف عني. لكن كلماتها أعادت إلى ذاكرتي صورة جدتي.
لم يبدأ النسيان عند شباك المحكمة. كان قد بدأ قبل ذلك بسنوات، وربما قبل أن أولد أنا نفسي، يوم جلست جدتي لأول مرة أمام ماكينة الخياطة السوداء التي رافقتها نصف قرن، تدير عجلتها المعدنية الثقيلة وتدفع القماش تحت الإبرة كما لو أنها تصلح تمزقات العالم كله. في ذلك الزمن كانت الماكينة تعرف اسمها. وكانت جدتي تعرف اسم الماكينة. وكان كل شيء مستقرًا في مكانه. الأشياء هنا، وأسماؤها هناك، والخيط مشدود بينهما بإحكام. لكن الخيوط لا تبقى مشدودة إلى الأبد. ذات يوم بدأت جدتي تنسى. في البداية نسيت أسماء الجيران. ثم أسماء الأقارب. ثم أخذت تنظر إلى ماكينة الخياطة نفسها وتمنحها أسماء أخرى. مرة قالت إنها عربة. ومرة قالت إنها ساعة. وفي مرة ثالثة أشارت إليها وقالت إنها نافذة. ضحكنا جميعًا. كنا نظن أن الأمر طريف. ولم يخطر في بال أحد أن العالم كان يتداعى داخل رأسها قطعة بعد أخرى.
انتبهت إلى صوت الموظفة. كانت تناديني. ثم أشارت إلى مصطبة إسمنتية في طرف الفناء. وقالت:
“يبدو أنك متعب، اذهب واجلس قليلًا حتى تستريح وتتذكر.”
وقبل أن أتحرك شعرت بيد تربت على كتفي. التفت. كانت امرأة عجوز تنتظر دورها خلفي. ابتسمت وقالت:
“لا تزال شابًا… كيف لا تتذكر اسم جدك؟”
لم أعرف ماذا أجيب. ابتسامتها كانت طيبة، لكنها بدت لي مثل مرآة. وفي المرآة رأيت وجهًا متعبًا لم أعتد رؤيته. انسحبت ببطء. كانت المحكمة تغلي تحت الشمس. مشيت نحو المصطبة. جلست. كانت ساخنة. كأنها احتفظت بكل شمس العراق فوق سطحها. أخرجت منديلًا. مسحت وجهي. ورقبتي. ثم أغمضت عيني. سمعت أصوات الناس. صوت الأختام. صوت المراوح. صوت الأوراق. وفجأة بدا لي أن المحكمة كلها ليست سوى ماكينة خياطة عملاقة. الملفات تدخل من جهة. وتخرج من جهة أخرى. والأسماء تمر تحت الإبر. والخيوط تمتد بين الموتى والأحياء. بين الماضي والحاضر. بين الذاكرة والنسيان. ثم أغمضت عيني. حاولت أن أستدعي الاسم. أي صورة يمكن أن تقود إليه؟ وجه جدي، صوته، شاربه الكث، العباءة التي كان يرتديها في الشتاء، السبحة التي كانت تتحرك بين أصابعه. كل شيء عاد إلا الاسم. كان الرجل حاضرًا. والاسم غائبًا. وهنا شعرت بالخوف الحقيقي. لأنني أدركت أن الذاكرة لا تعمل وفق العدالة. إنها قد تترك لك البيت وتأخذ المفتاح. تترك لك الوجه وتأخذ الاسم. تترك لك العمر كله وتأخذ كلمة واحدة، لكنها الكلمة التي تجعل كل شيء مفهومًا.
جلست دقائق طويلة. تذكرت فجأة بطاقة هويتي. ثم نسيت أن أخرجها. وأخرجت الهاتف بدلًا منها. اتصلت بابن عمي. ضحك عندما سمع السؤال. ثم توقف عن الضحك عندما أدرك أنني جاد. قال:
“أنت أصغر مني… كيف تنسى اسم جدك سليمان؟”
سليمان.
ما إن سمعت الاسم حتى انفتح باب كامل. رأيته واقفًا أمام البيت. رأيته يحمل عصاه. رأيته يربت على رأسي وأنا طفل. رأيت سنوات كاملة تنهض من نومها.
أدركت عندها أن الاسم ليس كلمة. الاسم مفتاح. وحين يضيع المفتاح تبقى الغرف موجودة، لكن لا أحد يستطيع الدخول إليها.
نهضت واتجهت إلى الشباك. استأذنت من المرأة العجوز. وأخبرت الموظفة بالاسم كاملًا. تناولت الإضبارة. راجعت المعلومات. قلّبت الأوراق. ثم ضغطت الختم بقوة فوق الصفحة. كان صوت الختم يشبه صوت مطرقة صغيرة تعلن انتهاء فصل وبداية آخر. سلّمتني الأوراق. وقالت:
“الآن تذهب إلى دائرة الاستخبارات. ثم الصحة. ثم المختار.”
خرجت من المحكمة. وكانت الموصل تغلي تحت الشمس. السيارات تتحرك. الباعة يصرخون. والناس يمضون في شؤونهم. أما أنا فكنت أسير ببطء. وأفكر في جدتي. في ماكينة الخياطة. وفي الاسم الذي ضاع ثم عاد.
سرت ببطء وأنا أفكر في الطريق الطويل الذي ينتظرني. لم أكن أفكر في الأختام ولا التواقيع. كنت أفكر في شيء آخر. في تلك المسافة الغامضة بين الإنسان وذاكرته. في ذلك الخيط الرفيع الذي يربطنا بأسمائنا وأسماء الذين أحببناهم. وفي الخوف الذي يتسلل بصمت حين نكتشف أن هذا الخيط ليس متينًا كما كنا نظن.
توقفت عند باب المحكمة والتفت خلفي. راودني شعور غريب. ربما لم آت إلى المحكمة من أجل صورة القيد. ربما جئت لأرى مستقبلي واقفًا هناك خلف الشباك. ينتظر دوره. ويبحث هو الآخر عن اسم يعرفه جيدًا ولا يستطيع تذكره.
رفعت بصري نحو المدينة. كانت المباني والأشجار والشوارع كلها في أماكنها. لكنني فهمت شيئًا لم أفهمه من قبل. الأمكنة لا تضيع حين تهدم. الأمكنة تضيع حين نفقد أسماءها. والناس لا يموتون حين يدفنون. بل حين يعجز شخص آخر عن استدعاء أسمائهم.
واصلت السير. وكان اسم سليمان يتردد في رأسي مثل جرس بعيد. أما في مكان ما من الذاكرة، فقد كانت جدتي تجلس أمام ماكينة الخياطة السوداء، تدير العجلة ببطء، وتجمع بخيط واحد ما تمزق من الأيام.









