ثقافية

الناقد عبد الله ابراهيم والسردية العربية الحديثة

متابعة / الحقيقة 

 
في الجزء الأول المسمى بـ «السردية العربية الحديثة – تفكيك الخطاب الاستعماري وإعادة تفسير النشأة» (المؤسسة العربية للدراسات والنشر)، يحدد ابراهيم في المقدمة طموح الكتاب بـ «بناء السياق الثقافي لنشأة السرديات العربية الحديثة، وبخاصة الرواية» (ص8)، ويروح يعمل لتحقيق هذا الطموح، على مدى خمسة فصول، يعتمد فيها منهجية واحدة.  في الفصل الأول يفكك ابراهيم الخطاب الاستعماري الذي يدّعي الفضل الغربي في نشأة الرواية العربية، من خلال معالجة الحملة الفرنسية على مصر وتعرية الرؤية الرومنطيقية للحملة التي اتسمت بها أدبيات القرن التاسع عشر، ويكشف المبالغات التي اعتبرت الحملة حدّاً فاصلاً بين تاريخين مجرّداً إياها من أي نتائج إيجابية استناداً إلى وثائق الحملة نفسها، ويعرّي النفاق الاستعماري الديني ممثّلاً بنبويّة نابوليون، ويفكك الحملة من الداخل مستنداً إلى مذكرات أحد ضباطها التي تصوّر الاصطدام بين النظرة الرومنطيقية والواقع، ويرى في حملة شامبوليون الأثرية مجرد حملة لنهب الآثار المصرية مستفيدة من جهل محمد علي وضعف صلته بالتاريخ لكنه لا يلبث أن يشير إلى اهتمام الأخير بالبعوث العلمية والمطبعة، الأمر الذي لا يستقيم مع اتهامه بالجهل وضعف الحس التاريخي، ويبين دور الحملة في تمزيق النسيج الاجتماعي المصري واللعب على أوتار الأقليات… وهكذا، يقوم بمراجعة ونقد الوعي الذي أشاعة الخطاب الاستعماري ليخلص إلى القول بمحدودية التأثير الذي مارسته الثقافة الغربية في الثقافة العربية خلال تلك المرحلة التاريخية، وهو، بذلك، يكسر وعياً نمطيّاً ومسلّمات راسخة.  من تفكيك الخطاب الاستعماري ينتقل ابراهيم إلى تفكيك الموروث السردي في الفصل الثاني، فيميّز بين ضربين راسخين من أساليب التعبير اللغوي عرفهما هذا الموروث: الأسلوب الكتابي القائم على الصنعة والتكلّف والبلاغة والتفاصح الذي عزفت عنه الرواية الحديثة، والأسلوب الشفهي القائم على المشافهة المتصلة بذوق العامة الذي ورثته الرواية وعملت على تطويره منذ منتصف القرن التاسع عشر. في الفصل الثالث، وانسجاماً مع قوله بمحدودية المؤثر الغربي في السردية العربية، يقلل من أهمية التعريب وتأثيره في الرواية العربية، ويذهب إلى أبعد من ذلك حين يرى أن عملية التعريب، سواء في اختيار الروايات المعربة أو التصرّف بها، هي التي خضعت للمرويات السردية العربية، وتأثرت بها، واستجابت لآفاق التلقي التي كرّستها هذه المرويّات. وإذا كنا نفهم أن يقوم الكاتب بربط الرواية العربية بجذورها وتأصيلها في أرضها راصداً تحوّلاتها السردية، في محاولة منه لتصحيح مسلّمة قطعِها عن جذورها وربطِها بالرواية الغربية، فإن نفيَه الأثر الغربي في النصوص العربية هو الوجه الآخر للقول بحصرية التأثير الغربي في نشأة هذه النصوص. ولعل الوسطية في النظرة إلى النشأة وظروفها هي الأقرب إلى الصواب والموضوعية.  في الفصل الرابع، يعيد الكاتب تركيب سياق الريادة الروائية، فيرى أن كثيراً من الآراء النقدية جرى إغفالها «ولم تُوظّف في سياق تحليل الظاهرة الروائية» (ص 166)، الأمر الذي جعل معظم الباحثين ينسب إلى رواية «زينب» فضل التأسيس للوعي الروائي، وهي نسبة في غير مكانها. ويختتم ابراهيم الجزء الأول من كتابه الأول بدراسة المدوّنة السردية في القرن التاسع عشر، في الفصل الخامس والأخير، من خلال روايات لخليل الخوري ومرّاش الحلبي وسليم البستاني وعلي مبارك وجرجي زيدان ومحمد المويلحي، ليخلص إلى أن هذه المدوّنة تشكّل الإرهاصات الأولى للنوع الروائي العربي الذي راحت هويّته السردية تتبلور تباعًا في مراحل لاحقة.  الجزء الثاني من الكتاب المسمى بـ «السردية العربية الحديثة- الأبنية السردية والدلالية»، يعالج فيه المؤلف الأبنية السردية والدلالية في سبعة فصول متّبعاً المنهجية نفسها، فيبدأ بمدخل ويُنهي بخاتمة، ويوسّط بينهما بعناوين فرعية، تتراوح بين أربعة عناوين وثمانية في الفصل الواحد. يبيّن ابراهيم، في الفصل الأول، الموقف الثقافي السلبي من السردية، وهو موقف يستند إلى اعتبارات رسمية، دينية وأخلاقية محافظة. ويتمظهر في اعتبار الإمام محمد عبده الكتب الخرافية من «الأكاذيب الصرفة»، وفي خشية محمد حسين هيكل على المحامي في اسمه من الكاتب القصصي فيضع على روايته «الرائدة» اسماً مستعاراً، وفي تنكّر نجيب محفوظ للقصص الأولى التي كان ينشرها، وفي نظرة العقاد والرافعي ومحمد عبده ومحمد عمر ويعقوب صروف وتوفيق الحكيم الدونية إلى الرواية. 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان