علي علي
الدستور.. هي عبارة أصلها فارسي مكونة من مفردتين (دَسْت) وتعني القاعدة، و (وَر) وتعني صاحب، وبذا يكون المعنى صاحب القاعدة. ودأبت الأمم والحضارات منذ بدايات نشوئها على اعتماده أساسا لابديل عنه في إصدار القرارات، بشكل يصب في مصلحة البلد العامة ومراعاة مصلحة أفراده من دون تفويت صغيرة وكبيرة، او شاردة وواردة. كذلك الرجوع الى بنوده ومواده وفقراته حين الاختلاف على أمر، او استحداث آخر في الساحة.
في عراقنا العريق الذي أطلق عليه بعد عام 2003 (العراق الجديد) هناك في الدستور المقر والمعتمد المادة (48) الباب الثاني الفصل الأول، تنص بوضوح كوضوح شمس تموز في كبد السماء، على ما يلي: ” تتكون السلطة التشريعية الاتحادية من مجلس النواب ومجلس الاتحاد”. وها نحن نرى الأول سرعان ما أسس وصات له الأولوية والحضور في إصدار القرارات التي ينام ويصحو المواطن على أمل البت فيها والعمل بها. وهذا شيء رائع في العراق الـ (جديد) الذي جثم على صدره عقودا خلت، نظام قمعي دكتاتوري، دستوره كيفي، قراراته مزاجية ، قوانينه مطاطية كما قالها رئيسه المقبور.
هنا سؤال طرح نفسه منذ الوهلة الأولى لتأسيس الدولة العراقية الجديدة، ومازال مطروحا، سؤال يتعمد كثيرون إرجاء الإجابة عنه بشتى الطرق والسبل، وقطعا لغايات وأهداف أول ما يقال عنا أنها ضد مصلحة المواطن، السؤال هو: أين الشق الثاني من المادة (48) من الدستور..؟ أين مجلس الاتحاد؟ وماذا حل به؟ وهل هو كما يراه البعض (زايد خير؟) أم هو (حديدة عن الطنطل!) مثل مايحب ان يصوروه للرأي العام.
مالاشك فيه ان الساعين في عرقلة تأسيس مجلس الاتحاد طيلة هذه السنوات، لهم مآرب يكاد يفقهها تلميذ الابتدائية، وربة البيت الأمية، وحتى (حميدة ام اللبن). إذ الجميع يعلم أن أشد مايخشاه الـ (حرامي) هو الرقيب، ودور مجلس الاتحاد لو قدر له ان يؤسس، سيكون العين المبصرة لأي (قارش وارش) او ألاعيب وبهلوانيات مجلس النواب، كما سيكون الـ (فلتر) الذي تمر من خلاله القوانين والمشاريع قبل إقرارها، كذلك سيرفع مشاريع قرارات ومقترحات قوانين، تخدم البلاد والعباد الى مجلس النواب لإقرارها.
ولكن هذا على مايبدو لايحلو لبعض الكتل، إذ هم بالمرصاد لكل ما من شأنه خدمة المواطن، وهذا مانلمسه في جلسة اجتماع لجنة الصياغة النهائية لمقترح قانون مجلس الاتحاد الذي ترأسه أسامة النجيفي، إذ فشل في التوصل الى اتفاق حول القانون لاختلاف مطالب الكتل السياسية، باعتراضهم على صلاحياته الواسعة. وقطعا كلما اتسعت صلاحيات الرقيب، انكمشت فرص اللصوص في السرقات، وضاق عليهم الخناق لممارسة نخاستهم ومبيعاتهم المشبوهة. كذلك لم يفت المغرضين ان يتحججوا بالاسباب التي تؤخر تشكيل هذا المجلس، وهذا يبدو جليا من خلال إصرار بعض الكتل على اختيار أعضاء مجلس الاتحاد بالتعيين وليس عن طريق الانتخاب. أي أنهم يريدون ضمان الرقيب وهذا أمر طبيعي! إذ أن الـ (زرزور) يبحث دائما عن (عصفور) ليكفله.





