اراء وأفكار

فؤاد سالم.. عاش منفياً ومات غريباً

حسين محمد العراقي 

 

توفي قبل أيام الفنان العراقي فؤاد سالم في العاصمة السورية دمشق بعد صراع مرير مع المرض عن عمر يناهز الـ68 عامًا عاش أكثر من نصفه في الغربة والمنافي بسبب الظروف السياسية في العراق وعانى خلال السنتين الأخيرتين من مشاكل صحية أدّت إلى إصابته بتلف في أنسجة الدماغ أفقده القدرة على النطق والحركة.

هكذا يرحل كل يوم عظيم من عظام الوطن دون أن يكحل عيناً برؤية الأرض التي ذاق بها الأمرين وفي سبيلها وسبيل حرية الإنسان  تشرد وتغرب حتى بعد فجرها الكاذب الذي لا يرتقي بالمستوى المطلوب للإنسان حقوق وحتى الأجساد الطاهرة المناضلة اليوم لم تجد لها متراً ولا شبراً ملك طابو بأسمها للأقامة به بعد نضالها خارج العراق الذي تجاوز أكثر من ثلاثة عقود ترتاح فيه بجوار الآباء والأجداد الأهل والأحبة ويؤسفني أشد الأسف على المسؤولين بالعراق اليوم وعلى مستويات مرموقة وحتى نقابة الفنانين العراقيين أهملت فنان الشعب الرائع فؤاد سالم في صراعه الطويل مع المرض لحين مماته فأين حقوق الإنسان وأين المليارات التي هدرت وأين انتم من هذا المناضل الذي نذر جل عمره وحياته من أجل شعب العراق وشغله الشاغل العراقي المضطهد المظلوم  المحروم  من حرية الرأي .

فؤاد سالم الذي عانى الأمرين أبان الحكم الصدامي وتشرد في بلاد الغربه لأكثر من ثلاثة عقود ذاق بها ذرعاً ومرت به أيام تنشف الريج كان جزاؤه الأهمال والألغاء من الذين أدعو الديمقراطية وخدمة الشعب أنها خسارة جسيمة لفنان من المستحيل تعويضه فنان دخل قلوب كل العراقين والعرب حسافة ومأسوف عليه فراقك يا أبا حسن رحلت عنا كما رحل العظماء ولكن ستظل في قلوبنا ماحيينا أنت الحي ونحنُ محبيك من الأموات تغمدك الله بواسع رحمته وأنا لله وأنا اليه راجعون .

كنت أرى الأستاذ الفنان فؤاد سالم وأسمه الحقيقي فالح حسن بريج وهو من سكنة البصرة التنومة مواليد 1945 غارقاً في هموم شعبه وقضيته علماً كان غناؤه حكما وفي صميم الهم الوطني والعمل النضالي لشعب العراق فقد كان ثاقب الرأي ولا ينطق إلا في صالح الإنسان المضطهد  المعذب والمظلوم  وأنا كنت أهتم لأغانيه وأحاسيس الهجران والغربة والمحطات والأرصفة والشوارع التي تحولت الى تكوينات يعشقها المطرب فؤاد سالم تفيض الأحاسيس تختصر حزن العاشقين المطرز بالوجدان واللهفة للوطن ونار الحزن والحنين تأخذك الى صوت الفنان أعلاه و الى عوالم السحر والجمال والذكريات التي توسدت كلمات الأغاني ومنها – يا عايدة – وصادق فهدنا صادق… ودكيت بابك ياوطن …وغيرها كثرُ علماً أني أرغب بالجلوس أليه وأن تحدثنا عن النضال فوجدته الصرح الشامخ والمشهود له إعلامياً والذي لا يتردد بهدفه المناوىء في غرية المنفى  وفي الأوقات الحرجة والصعبة  ؛؛؛ 

فؤاد سالم له الكفاءة وكثيراً يتحفنا بمواويله الغنية عن التعريف حنيناً للوطن وكان يريد مادة الفن تزرع حب الوطن وسموه وعليائه وتأريخه في أفندة محبيه فنه رقي يناسب تأريخه في أرض المهجر ويوازي حب الشعب للوطن بلهجة عراقية أصيلة ورائحة التراث القريب البعيد لأنه يقول ويقصد بفنه بين التمازج للحرية ورفض الظلم والعبودية .

منذ سني الصغر وأنا أستمع لفؤاد سالم الفنان الملتزم صاحب الصوت المفعم بالحنين ولم اكن أعرف حب الوطن إلا بعد أستماعي إلى حنين مواويله التي يغرد بها وكانت حنجرته تصدح أعجاباً فنياً يحن لها كل غريب عن أهله وكنت اتعجب ويأخذني الحنين لأهلي لناسي حين أسمع اغانيه عندما كنت منفيا وأعيش عند دكتاتور ليبيا معمر القذافي  في التسعينيات الذي ذهب إلى ربه ذليلاً مكسورا مهانا  بعد ما أطاح به ثوار  17 فبراير في  مسقط رأسه سرت ليبيا في  20  /10/ 2011 .

اليوم الناس تريد الهروب من العراق على أثر التفجيرات والموت المستمر وهو يريد العوده يرحمه ربي على تلك الروح الطيبه التي تعلمت حب الوطن على نغماتها وتبقى في مماتك كما في حياتك غريبا كالسندباد في موانىء الغربة ونحن من بعدك غرباء في اوطاننا . 

فؤاد سالم رجل لم يعرف الأنتهازية والتملق والمعروف بعزة النفس والطيبة والخُلق الرفيع السامي والوفي لمبدئه حصراً وإلى وطنه.

هذا القديس سيكون ذاكرة عطرة في عقول العراقيين على مدى الدهر لما حمل من هموم وأحزان ومأسٍ شعباً لم يعرف طعم الاستقرار والراحه من أول ما خُلق هابيل وقابيل وإلى يومنا هذا المجد والخلود لنفسه الزكية داعيا العلي القدير أن يسكنه فسيح جناته ويلهم قلوب عائلته الصبر والسلوان وكل قريب وبعيد منه الصبر. ونحن البشر طريقنا واحد لدرب الموت وليس هناك من يبقى حيا سوى وجه الكريم الفاتحه على روحه الطاهره الزكيه الى يوم يبعثون أمين يارب العالمين. فؤاد سالم ناضل من أجل حرية العراق لينتزع الظلم والحرمان منه عبر مواقفه الوطنية وآرائه السياسية التي لم تتغير رغم ظلمات الأيـــام العصيبة التـــي مـر بها ورغـم كـــل الجروح التي تشغل همومه في المنفى لكنه فرض نفسه على الساحة الغنائية وبات الموضوع الأبرز فناً في بلدان المهجر. أيها الصديق الغالي سيدي الكريم  فالح حسن بريج أنتم  المحافظون على مبدئكم وإلى آخر يوم في حياتكم ويشرفني أن اذكركم وأكتب لكم  بكل ما هو طيب  وما تستحقون 

لأنكم خامة غناء عراقية حقيقية صرف حافظت عل قيمها وبقت غالية إلى يومنا هذا  في نظر العرب ومنهم العراقيون ومهما كتب يراعي لكم وأوصفكم لقيم مثلا فهي أقل من أستحقاقكم وآخر المطاف لكم مني القول الصادق إلى جنات الخُلد يا أبا حسن لأنكم  حافظتم  على قضيتكم  ونهجكم  المرتبط  بمبدئكم  والمبدأ أيمان الإنسان بقضية معينة  وبالنهاية فراقكم  جعل الدموع تتغالب في أعيننا.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان