كريم السيد
الثقافة فن من فنون صناعة الحياة, فهي بدءا تعنى بصناعة الحياة, وأهم أداة يمكنها ان تؤثر بديناميكية الأحداث والتاريخ خصوصا في عصر ما بعد الحداثة من خلال التقدم التكنولوجي والميديا المتاحة, وتتخطى أهميتها كثيرا من الميادين العامة في حياة الدولة السياسية أو الاجتماعية او الاقتصادية وغيرها.
هذه الأهمية تتأتى بكون الثقافة تعنى وترتكز بالدرجة الأساس على العامل البشري والانساني والوقوف كداعم أساسي في تغذية كل المفاصل التي تشكل الدولة, ولذلك كانت الثقافة مصنعا واداة للتغيير والتحول, فهي أداة مُنتِجة لا مُنتَجة, وتتأثر بما يفرزه الواقع لكنها في النهاية تبحث عن التأسيس والتأصيل.
وفي الحياة العامة العراقية, وبنسبية نرى العكس من ذلك, بحكم ان الثقافة اخذت طابع التابع لا المتبوع, والمتأثر لا المؤثر, وهذا ما ينسحب على انها ثقافة بحاجة لتغيير عجلتها من هذه السكّة الى تلك, أي وعلى سبيل المثال, من سكة السير وراء ما تصنعه السياسة من حدث الى صناعة الحدث السياسي.
الاحداث الاخيرة أفرزت هذا الواقعية وجعلت منها واضحة لكل متابع ومراقب, فبمجرد إعلان حالة التأهب والاستعداد للحملة العسكرية التي وجهت مؤخرا للقضاء على قتلة الحياة ومعرقلي تقدم البلاد وعيش العباد; وجدنا انقساما ثقافيا (غريبا) تجاه التعاطي مع الازمة التي تشهدها البلاد على الصعيد السياسي والعسكري, وبالطبع فإن الانقسام جاء متبلورا بمواقف ورؤى تختلف بالاتجاه والدوافع.
فما بين المؤيد والمتحفظ بدا الحراك الثقافي متأثرا بشكل كبير وراء الاهواء السياسية برغم اتحاد الهدف العام, وهو ان المجاميع التكفيرية المستهدفة (داعش) التي تعشش في الصحراء تدين بدماء العراقيين وتشكل مرضا مزمنا معطلا لعافية الجسد العراقي وبالتالي فأن استئصاله يشكل غرضا لا يختلف فيه مثقف أو غيره, اذ من غير المعقول ان تتبنى الثقافة فكرا ينتج كل هذا الموت والدمار.
المؤيدون ينظرون للمشروع العسكري على أنه نافذة للخلاص من قلق الموت ورتابة الحياة التي افسدها هؤلاء بأفكارهم المتطرفة وأفعالهم اللا إنسانية, فهم يبحثون عن تغيير للواقع يخرج على شكل امنيات تنسلّ ضمنا في شعرهم رواياتهم ولوحاتهم ومسرحياتهم وخواطرهم ونسقهم الإعلامي بل وحتى على صفحاتهم التفاعلية في مواقع التواصل الاجتماعي, من سيقوم بتلك الحملة لا يهم بقدر تحقيق الهدف وهو القضاء على هذا الفكر ومن ورائه وصناعة واقع مغاير لهذه الحياة, حقيقة الامر هذا ما تبحث عنه الثقافة دوما وتسعى لبلوغه كمرحلة من مراحل التقدم الإنساني.
المتحفظون لهم أسبابهم ايضا, ربما كان بعضها منظورا إليه من زاوية سياسية, وهذا ما جعل القلة التي تبنت هذا الموقف تتبنى موقفا سياسيا لا يتسق وكونهم دعاة لثقافة عراقية وشركاء بصناعة الرأي العام, وربما مثلوا الوجه السلبي الذي اعتدناه للمثقف المنزوي خلف ما ينتج من الصراعات السياسة وقلقها المستمر, فيما نراه ينظّر للاحق الأحداث وما سينتج عنها, بعين المراقب من اعلى التلّ متناسيا انه المسؤول الاول عن نتاج ما يحدث, وربما كان مقصرا في صناعة ثقافة خجولة تخشى مواجهة أعداء الحياة تحت ذرائع شخصنة السلطة التي نعرف أنها سلطة صندوق انتخاب لا اسكات الرأي والرقاب, ولذلك فإن المثقف هو المسؤول الاول عن صناعة الوعي المترجم على شكل ورقة انتخاب القيت في ذلك الصندوق اسهمت في صناعة الواقع السياسي.
إن الادوار السلبية والمواقف والصراع الثقافي الناتجة عن الاحداث الأخيرة والتي أبداها البعض في خضم ما تمرّ به البلاد يكشف لنا وبشكل واضح عن حجم التفكك في الوسط الثقافي وعدم قدرته على المواجهة وصناعة أواصر ومشتركات وموقف واضح وصريح يتبناه الجميع قياسا لوحدة الهدف, لنرى بين الفينة والأخرى مساجلات ومشاحنات وجبهات ثقافية تتزامن والجبهات السياسية والعسكرية التي تشهدها البلاد.
ما نأمله ان يصار الى صناعة مشهد ثقافي عراقي يجتمع الجميع تحت سقفه ليخرج لنا بمواقف ورؤى صريحة تجاه أي حدث تشهده البلاد, وان تكون الثقافة كما هي مصنعا لإنتاج الحدث لا سلعة رخيصة يختلف فيها الجميع.





