حازم لعيبي
و انا اقرأ عن نيلسون مانديلا أول رئيس أسود لجنوب أفريقيا “1994 – 1999” و أقلب في صورة الإنسان المناضل المضطهد و السياسي المتسامح ، تمنيت ظهور شخصية وطنية عراقية تحاول التعلم مما قدمه بعد استلام السلطة في جنوب أفريقيا . و لا أعني هنا التشبه بنضال الرجل فهذا غير ممكن ، او ان نزج هذه الشخصية نفس المدة التي قضاها مانديلا في سجن انفرادي ، و لا نريد من ابن وطننا ان يغفر متسامحاً لابن بلدنا القاتل غير الراغب بالاعتراف بجريمة القتل ، و غير القاتل الذي لا يعترف بنظام التوبة الاسلامية حتى ، و لا نريد من رجلنا المفترض و الحلم ان يفكر و يتعب عقله لإيجاد حل لازمة عراقنا و الورطة الكبيرة التي وَضَعَنَا بها البعض سامحهم الله ، و بالتأكيد اقصد بالورطة “مأزق الطائفية” كشكل مماثل من أشكال السلوك العنصري .
و السؤال ما الحل؟ و هل هنالك وصفة سحرية استخدمتها شعوب غيرنا ام ان الواقع واقعنا طبعاً يحتوي الحل و علينا فقط التنبيه عنه و الإشارة اليه ، و أمر الحل على ما نعتقد بسيط و ميسر و لا يحتاج الى وزارة للمصالحة الوطنية و لا تنازلات من النوع الثقيل او الخفيف ، لأننا للأسف شعب لا يحب التنازل و لو قليلاً . مرة أخرى ما الحلُ؟ و ما علاقة حل المأزق العراقي الطائفي بنيلسون مانديلا ؟ و هل وصفة المصاب بالعنصرية في جنوب افريقيا تشفي المريض المصاب بمرض الطائفية في العراق ؟
سأقول نعم ، هنالك وصفة واقعية جداً لكل من قد سألني يوماً ما الحل ؟. و قبل ان أجيب عن التساؤل اعادتني الذاكرة لما حدث لابني البكر بلال أيام كان يلعب في المدرسة الاعدادية كرة السلة ، بلال لعيبي احد افضل اللاعبين في مدرسته كموزع point guard لا بل كان من اللاعبين المهمين في ولاية أريزونا ، حينها كان يتنافس مع “Connor” كوننر شاب أشقر أميركي الولادة لعب معه في نفس المدرسة و تنافس معه على نفس المركز ، و زيادة على ذلك كان كوننر منتمياً خارج المدرسة الى نادٍ يشرف عليه نفس مدرب المدرسة ، و لمن لا يعرف في هذا أفضلية كبيرة جداً ، كون الانضمام الى النادي يعني ميزة اضافية قد تنفع في بعض الحالات ، و لا أخفيكم سراً ان الانتماء لنادٍ يشرف عليه المدرب نفسه تمنح المنتمي فرصة اكبر للعب كلاعب رئيسي في الفريق المدرسي ، لان في الأمر دفع مبالغ كبيرة للمدرب انا لست قادراً عليها آنذاك ، او بالأحرى لم اكن صاحب خبرة في ذلك . مع هذا فالموهبة و الإمكانية البدنية و التفوق و الخلق العالي كانت لصالح ولدي بلال ، مما دعا هذا الشاب بعد فشله في الازاحة الى استخدام وسائل غير مشروعة للتنافس على مركز اللعب في فريق نورث كانيون هاي سكول لكرة السلة ، و كان اكثرها استفزازية تلك المتعلقة بالعنصرية حيث كان يقول و يردد الى بلال أثناء التدريب و المباراة و ما بينهما تعبيرات و جمل قاسية حيث وصل به المقام و الجرأة كلما يلاقيه يتفوه جهراً؛ أنك إرهابي you are terrorist” !!! أيها الإرهابي ، إرهابي …..
و نتيجة علاقتي الحميمة مع ابني البكر بلال لم يخف عني ما حدث له تخصيصاً وكذا عن أغلب الأمور التي تتعلق بالفريق او حتى في حياته الخاصة . لذلك نقل لي ذلك بالتفصيل، وحين طلبت منه اتخاذ موقف لأعلام إدارة المدرسة بذلك رفض بشدة مبرراً ذلك بطرق مختلفة لم تكن مقنعة لي بدايةً ، مما حذاه ان يتجاهل مقترحاتي و يتصرف بطريقة اكثر نبلاً ، مستمراً بعلاقة جداً طيبة مع هذا الشاب مهددني بالتوقف عن اللعب بشكل نهائي فيما لو اتخذت إي موقف من كوننر كتقديم شكوى عن تصرفه العنصري آنف الذكر ، ابني العارف بالقانون الأمريكي اكثر مني على دراية ان ما فعله هذا الشاب سيضعه بمأزق حقيقي فيما لو قاضيناه على ذلك كوننا نمتلك الكثير من الشهود عن قوله ” انك إرهابي” الاقسى على من مثلنا ، و بدلاً من ان تكون ردة فعله من نفس الجنس أي عدوانية و غير رياضية ، بدأ لاعب كرة السلة بلال لعيبي يعامل الشاب الأشقر بروح رياضية عالية و اهتمام كبير لدرجة تقديم يد العون لهذا الشاب لتطوير إمكاناته المهارية و البدنية ، بعدها بأكثر من شهر قدم الشاب و بروح رياضية عالية اعتذاره نادماً على فعلته و أمام مجموع الفريق و زملائهما من الطلاب ، بعدها صار الشاب الأشقر كوننر من اقرب أصدقاء بلال على مستوى الحياة و أحد المنصتين الجيدين لما يتقول به فيما يخص رياضتهما المفضلة و يفضل التدريب معه و الأخذ بملاحظاته الفنية و التكنيكية كلاعب سلة.
بعد ان شاهدت بأم عيني ما حدث سألت الولد عن سر ذلك قال لي بالحرف الواحد؛ ان الرياضي الجيد عليه ان يمتلك روح رياضية عالية ، مضيفاً؛ و قد تعلمت من تجربتي الرياضية المحاولة بطرق إيجابية أولاً و دائماً ، و ان اعطي لمن حولي فرصة لإعادة التفكير ، و الاهم ان السلوك الايجابي و روح العمل الجماعي هي جزء رئيس من السلوك الرياضي السليم ، و دائما عليك ان تكون نبيلاً حتى مع منافسيك. هذا ما قاله ابني بلال عن الرياضة .
أما نيلسون مانديلا نجح في أن يتبنى او يستخدم قوة الرياضة للمقاومة و الاتحاد ، كما أدرك مانديلا ان قوة الرياضة تمد او تضع الكرامة والأمل في مواجهة القمع الذي ترعاه الدولة، لتقويض التمييز بالمقاومة ، و للعلاج و لمساعدة وحدة المجتمع الذي عانى من الانقسامات الوحشية و من الفصل العنصري ، لاحظ عزيزي العراقي مقتبس نيلسون مانديلا و الوصفية الواقعية لتحويل مجتمع منقسم طائفياً و عنصرياً الى مجتمع موحد و متسامح و يحب بعضه البعض الاخر ، “للرياضة سلطة لتغيير العالم ، و لها سلطة الإلهام او الوحي ، و لها القوة لتوحيد الناس بطريقة قد تفعلها فعاليات أخرى لكن بدرجة متواضعة او أقل ، الرياضة تستطيع خلق الأمل ، في مكان لا يوجد فيه إلا اليأس, إنها أقوى من الحكومات لإسقاط الحواجز العنصرية.”
نعم ، ان الرياضة الوصفة السحرية الواقعية التي أنقذت الشعب الجنوب أفريقي من مأزق العنصرية ، و بالتأكيد ستخلص الشعب العراقي من مأزق الطائفية و العنصرية ، الرياضة تساهم فعلاً في توحيد الامم و المجتمعات ، لكل من سألني ما الحل؟ أقول الرياضة بكل أشكالها و أنواعها حتى رياضة الفن النبيل “الملاكمة” . إي و الله.





