ثقافية

ديــــوان (للــــدرس فقـــط) … محاولـــة عولمــة الأجنــاس وتجــاوز المعانــــاة

الشاعر عمر السراي من التجارب التي جدت كثيرا في إثبات تميزها ، قياسا لزمن انبثاقها ، وكانت جديتها باستيعاب الذاتي ومزجه بالموضوعي ، حتى خلقت مقاربة محببة بين ماهو شعري وماهو سردي مستفيدة من عولمة الأجناس وانفتاح فضاءاتها بعضها على البعض الآخر ، ليكون التعويل على بناء النص القصدي أكثر مما يكون التعويل على الفطرة والإرهاص الانساني التلقائي ، لأن مجال البناء النصي الأكثر حيوية لرصد التنافذ بين الأجناس الأدبية الذي اكتنف سمات النص الحديث ، ذلك ان أنماط وأساليب التداخل قد تشكلت في إطار المقاصد الكامنة وراء فعل الكتابة الشعرية ، بحيث لايمكن التعويل على ما يسمى بـ(فطرة الشعر) لإيجاد مسوغات فنية بدون دافع واعي ، أي ان عملية انفتاح النص الشعري كانت وليدة الوعي الحديث لعملية التخلق الشعري ، وان هذه الموضوعة تدخل من خلال منطلقاتها النظرية في أطار النظريات الأدبية التي تباينت مداخل النظر إليها ، إلا أنها “تلتقي بصفة عامة في أطار من التداخلات المتسلسلة وذات الاتجاه الواحد فالآثار الأدبية تدخل في الانواع ، والأنواع في الأجناس ، والأجناس في الأنماط” ،

 وجدان عبدالعزيز / الجزء الاول

 
وفيما يخص فنون الأدب المجاورة للشعر ، فالأدب عموما “منذ ظهوره يتطور ضمن ثلاثة أشكال رئيسة : الشكل القصصي ، والغنائي ، والدرامي ، ذلك ان هذه الأشكال تبرز بوضوح كاف حتى في المرحلة الفكلورية “الماقبل أدبية” لفن الكلمة”)1 ، وحتى نعمق قصدية الشاعر عمر السراي ننقل قوله التالي : (لا اؤمن بالاشتغال على القصيدة لكي تكون بذاتها .. لأن اشكالية الوقوع في احد الجانبين قائمة أمام من يختار هذا السبيل .. فان تكتب لترضي الناس يعني ان تقع اما في الذائقة العامية او النخبوية وتظلم نفسك .. وان تكتب لترضي نفسك يعني ان تهجر الناس وتتقوقع على ذاتك .. لذا كان لي ان اصرح بأني اشتغل على ذاتي .. لأتشابه مع اكبر عدد ممكن من الكائنات الحية وغير الحية ، لاحقق لحظة الكتابة رضا  ذاتي .. وهو ما يعني بالتالي رضا الاخرين .. وقد تكون مفردة الرضا جاءت في غير محلها ، لذا اعذروا عدم أكاديميتي التي حرصت على اتقانها ، لاكون اقرب اليكم لحظة هذه الكلمات ..) ، وهذا ما اكده اكثر من مرة الاستاذ الدكتور محمد صابر عبيد من ان : (لغة قصيدة النثر الحديثة لغة حرة وانسيابية وجريئة وخالية من العقد ، تستوعب الفضاء اللساني الانساني كاملا ، من دون أي اعتبار للثنائية العنصرية المتمثلة في التفريق الطبقي بين المتن اللغوي والهامش اللغوي ، تؤسس أنموذج فصاحتها بالمعنى الحيوي الاجرائي والعملي والواقعي للمفهوم الثقافي للفصاحة ، اذ يستجيب هنا لصالح قوة التعبير ونقاء التشكيل وثقافية الرؤية ودينامية التداول)اذن ملاحظتنا  للمرونة اللغوية عند عمر السراي تعبر عن فجيعة ذاتية امتزجت بفجيعة موضوعية غطت سماء العراق الوطن بالكامل ، وجاءت بلغة شعرية سردية تعكزت على السهل الممتنع في ايصال رسالتها ..
من أثر القراءة :
 مثالنا في قصيدة(cv) التي تكرر فيها الفعل (أعرفك) بحوالي أربعة عشر مرة ، و” التكرار” هي ظاهرة موسيقية ومعنوية تقتضي الاتيان بلفظ متعلق بمعنى، ثم اعادة اللفظ مع معنى اخر في نفس الكلام. ان ظاهرة التكرار ظاهرة لغوية عرفتها العربية في اقدم نصوصها التي وصلت الينا، نعني بذلك الشعر الجاهلي، ثم استعملها القرآن الكريم، ووردت في الحديث النبوي الشريف وكلام العرب وشعره ونثره … وفي العربية نجد تكرارا للحروف والجمل الاسمية والفعلية، ونجد كذلك ألوانا تكرارية إيقاعية يقصد بها إلى أحداث نوع من الموسيقى اللفظية المؤثرة. وبالحقيقة، ان التكرار ظاهرة حيوية عامة، إنها موجودة في الحياة في صور متعددة، وبما ان اللغة صورة المجتمع، فأنها تحتوي على صور مما هو موجود فيه، فظاهرة كالترادف قد نجد لها شبها في تشابه شخصين من البشر تشابها تاما يصعب معه التميز بينهما، وظاهرة التضاد نجد لها شبها فيما بين الأسود والأبيض من تضاد … ، ونحن في أفعالنا وأقوالنا نكرر كثيرا، وعلى مستوى الدرس العلمي والعملي لانكاد نجد عند النحاة والصرفيين كبير اهتمام بالظاهرة، كونهم يهتمون ببنية الكلمة الواحدة، والنحو عندهم يهتم بتركيب الجملة، ولايتجاوز ذلك عادة الى النص كله، ولذلك اقتصر النحاة للتكرار غالبا على لون واحد منه هو ما أسموه “بالتأكيد اللفظي”. ويقول أرسطو في “التكرار” انه: “العامل الذي يمزق ويحطم الأسلوب الجديد” وهكذا استغل الشاعر السراي هذه الظاهرة بتكرار الفعل “اعرفك” لاظهار عدة مستويات من إثبات حقيقة الفجيعة التي يعزف على الحان ألامها كثيرا .. يقول :
(أعرفك
تنأى ممزقا ..
بطلاسم جوهرة سعّفت مجراتك الموبوءة .. الصلدة
 ..
وتوزع بريد الغيم .. على لكنتهم ..
متساويا مع الريح ..
باندمال سكونها ..
ومتفوقا .. على هدب الكمنجات باحتراف الفاجعة 
  ..
وشبابيك حقائبك ..
يطل منها التراب مغامزا وحشة امهات يندبنك ..)
وبتكرار “أعرفك” كما اسلفنا رسم بوصلة الوجع العراقي ، ثم فجر كلماته التي تشظت على مختلف الوان الوجع .. ناهيك عن الاكثار من الفراغات ، يقول (تي اس اليوت) : (لا يمكن للشعر – بالطبع- ان يُعرف من خلال استخداماته ..انه يؤثر في ثورة الأحاسيس ..ويساعد على الفصل بين الأنماط التقليدية للفهم والتثمين اللذان يتكونان باستمرار – الشعر يجعل البشر يرون العالم او جزء منه زاهيا ويجعلنا ندرك بين الفينة والأخرى تلك الأحاسيس العميقة التي يصعب تسميتها…)، والخروج من النمطية جاء بامتياز العبور من خلال الفراغ الى الكلمة الاخرى ، وحينما نحاول املاء الفراغات تأتي التأويلات المختلفة التي تدل بلا ادنى شك على ان هناك كلام مسكوت عنه يعطي افقا اخر ، ليكون (الموجود الحقيقي هو الشاعر، وهو القصيدة : وفي تعاقب القصائد واكمال بعضها بعضا ما يغير فهم الشعر او النظر اليه . فالشعر افق مفتوح ، وكل شاعر مبدع يزيد في سعة هذا الافق ، اذ يضيف اليه مسافة جديدة . وكل ابداع هو ، في آن ، ينبوع واعادة نظر : اعادة نظر في الماضي وينبوع تقويم جديد) ، ومن هنا ينهمك الشاعر السراي في فتح الافاق الشعرية على الورقة بالكلمة وبالفراغ ، ليعمق جرح الفجيعة ، ويتحول بتحولات النص الى شواطئ لم تطؤها الاقدام بعد ..  يقول الناقد جمال جاسم امين : (.. ان آلية التلميح في الشعر كلغة غياب بدلا عن الحضور والتصريح تقتضي ان يكون المدون اقل بكثير من المحذوف ، خاصة اذا ما عرفنا ان هذا المحذوف سيشكل الفضاء الحقيقي لفعالية القراءة .. هذه ـ اذن ـ احدى المتغيرات التركيبية التي طرأت على بنية النص الجديد وبامكانها في الوقت نفسه ان ترصد المتغيرات الاخرى) 
***
وفي قصيدة (غريب .. بلا خليج) ، عمق صور الفجيعة بالمغايرات اللغوية التي انبثت على مستوى مساحة القصيدة وبذكاء استثمار ادراكه لقصيدة النثر ، حيث يقول :
(وكل المجاديف عكازة .. لجراح (البلم) ..
تمر الطيور منكسة ريشها ..
فوقهم ..
مرقطة بالهديل ..
ومزهوة بالظلام ..
فهذي المدينة ممنوعة في الوقوف ..
وممنوعة في القيام ..
وكل الغصون مفارز موت ..)
(فقصيدة النثر معادلة اشكالية قاطعة لاتقبل حلولا وسطا ، فهي اما ان تكون قصيدة على وفق قياسات شعريتها المعروفة ، واما تنتهي الى الاخفاق ، ولا تكون عند ذلك اكثر من نثر عادي ، وبهذا فانها ليست سهلة كما قد يتصور بعضهم ، انما هي في غاية الصعوبة والدقة والتركيز وشدة الانتباه.)، والقضية الهامة الاخرى ، هي التناص ، يقول بارت حول التناص : انه (يفيد في مقاومة قانون السياق المنغلق فيؤكد وجود سياقين على الاقل ومن ثم فان العبارة التي تنتج معنى ممكنا لاتلغي غيره من المعاني التي تصله بنصوص متغايرة ، والنص والمتناص يتضمن المؤثرات والمصادر والاصول)، حيث استثمر السراي الاغنية الشعبية الاكثر حزنا والتي يرددها الحمام حين ينوح على الشجر ، وكان يسكن الشاعر سؤال متوالد عبر اكثر القصائد بصور مختلفة .. (اين مدينته الـ لاتزال ..؟!).
***
 واستمر في قصيدة (عتيق للبيع) و(بهدوء اخرس) ، وقد يكون التأويل الاقرب في اكتشاف ذات الشاعر بذاته ، وهذه غنائية اختص بها السراي ، لانه (بائع متجول في اروقة النسيان ..)، وكانت مغايراته اللغوية ، قد وصلت الى ذروة التعبير عن ذاته الجمعية ، أي ذاته المذابة بذوات الجميع، لـ(ان هم التحول والمغايرة ليس هما شكليا محضا تفرضه ضرورات الحاجة الفنية المحض للخروج على النسق واستيلاد اشكال بديلة ، بل هو همّ كوني حيوي وثقافي وحضاري يتسم بشمولية الاحتواء وكلية المعنى.) ، ومن هذا المنطلق، يستمر السراي بانثيالاته اللغوية المفارقة ، وكأني به في صدد صناعة مشغل لغوي خاص به ، يقول :
(ارسم كوكبا .. تزفه النجوم بعيدا عن المقصلة ..
ارسم وجها للمتشابهين .. وشارات تميزهم عن 
وجوه بيضاء بلا شامات ..
ارسم احمر شفاه .. لمراهقة غضة .. لايعرف حبيبها .. الا طعمه
فالضوء القصير يذيب الالوان ..
ارسم ليلة دافئة لأضلاع ترتجف ..
ارسم للهور ربطة عنق تكتف جفافه الاخرق ..)

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان