علي علي
لقد بات رهان بعض الساسة وأرباب الكتل والأحزاب على تفرقة العراقيين رهانا خاسرا لامحالة، فليس جديدا على العراقيين تآلفهم وتوادهم وتحابهم فيما بينهم، وتاريخهم الحضاري زاخر بكل معاني الإنسانية السمحة التي أمرهم بها الله تعالى في كتابه، ومافتئ نبي الرحمة (ص) وأئمته الأطهار (ع) يرشدونهم على خير الأفعال، ويحثونهم على أحسن الخصائل والطبائع. وقطعا يستثنى من هذه الصفات بعض أولي أمره، والغالبية العظمى من سلاطينه وحكامه الذين توالوا على مسك زمام أموره، والذين حري بنا أن نسميهم جلاديه وسجانيه. ولكن كما نقول: (الله مايگطع) -حاشاه طبعا- إذ هناك بين العراقيين من يتحلى بتلك الخصال حتى في ظروف البلد الصعبة، وبرغم المحن التي مر بها البلد، من حروب واحتلالات وحصارات وقحط ومرض وجهل وفاقة، كانت جميعها سلاحا استخدمه ضده أعداؤه من الخارج، وسماسرة النخاسة وأحفاد ابو رغال من الداخل -وهم كثر-.
قبل ثلاثة أيام أعلن العراقيون في اثنتين من كبريات محافظاته، عن إطلاق تسميتين على شارعين رئيسين من شوارع المحافظتين، كل باسم نظيرتها. فقد أعلنت إدارة محافظة ميسان عن تسمية أحد الشوارع الرئيسة في مدينة العمارة باسم شارع (نينوى) نسبة الى محافظة نينوى، مقابل هذه الخطوة أطلق العراقيون في محافظة نينوى تسمية شارع (ميسان) على أحد أكبر شوارع أم الربيعين، مع العلم أن الفاصل المكاني بين هاتين المحافظتين أكثر من ثمانمئة كيلو متر، وهما محافظتان غير متاخمتين لبعضهما، حيث تفصل بينهما طوليا ثلاث محافظات هي واسط وبغداد وصلاح الدين. أما الفروقات في ديموغرافية كل منهما فكبيرة جدا، حيث طبيعة الأرض مختلفة.. وتوزيع المياه مختلف.. وأنواع المحاصيل الزراعية وغَلات الأرض مختلفة أيضا.. وشتان بين طقس أم الربيعين وطقس العمارة. ولو أردنا التحدث عن مكوناتهما من حيث السكان، يجرنا الحديث الى أديان مختلفة وأطياف متنوعة، وقوميات عديدة، أما التقاليد الاجتماعية لكل محافظة من المحافظتين وفولكلورهما، فالكلام عنهما ذو شجون وشؤون وتشعبات غائلة في ماضي الزمان فضلا عن انتشارهما في حاضره. وكذاك الحديث عن لباسهم وزيهم.
فما أطيب أكلة الـ (مسموطة) في العمارة.. وما أشهى الـ (كِبايات) في الموصل. وما ألذ (برحي) المجر.. وما أحلى (سجق) الموصل. وما أروع صوغة الآيب من العمارة حين يجلب معه الـ (خريط) فيما الصوغة القادمة من الموصل هي الـ (چرزات). وبين هذي الأكلة وتلك.. وهذا الزي وذاك.. ومن خلال هذه الخصال وتلك العادات والتقاليد، تتبلور هوية العراقي سواءٌ أميسان سكن أم الموصل..! او بغداد والبصرة.. او ديالى والناصرية.. او الرمادي والكوت.. او دهوك والنجف.
هي خطوة من مركز المحافظتين فتحت آفاقا أمام محبي العراق، وأوصدت الأبواب بوجه مبغضيه، وقد جاءت في وقت تثبت فيه للجميع أن العراق بيت واحد مهما ضربت أطناب مساحته شمالا وجنوبا.. او شرقا وغربا. فهل يرعوي ساسة البلد وقادة الكتل والأحزاب، الى مثل هذه الحالات التي ماانقطعت يوما بين العراقيين، على اختلاف قومياتهم ودياناتهم ومذاهبهم، في محافظات البلد وأقضيته وقصباته، على طول مساحته المترامية الأطراف؟ وهل يعي المغرضون من تفريق لحمتهم أنهم ينفخون في رماد؟.





