نعيم عبد مهلهل
(( كانت مدينة أريدو المقدسة استنادا إلى السومريين ، أول مدينة شيدت بعد الطوفان ، كانت ذات قدسية عالية ومنظر لا ينسى حين ينظر إليها من أور عند الفجر أو عقب الشروق بقليل وهي تومض في السراب على بعد اثني عشر ميلا . ثم تبدو الزقورة وهي رخام خرب متخذة شكل برج مدرج ومنتصبة بهالة من الغموض في ضياء الفجر الواهن ، وقد بعثت الحياة في مبناها بشكل مثير من خلال طبقة رقيقة من لعاب الشمس )). كلها بنيت من لبنة الطين وبعدها جاءت مدن التاريخ الطيني على مساحة الأرض كلها ومنها مازالت حتى اليوم تعيش بذات المجد و ما زال الطين يشكل واقع هندستها وتميزها كما في مدن الطين اليمانية والتي يوعزها الباحث جعفر السقاف وهو يُحَدِّث عن العمارة الطينية في شبه الجزيرة العربية قبل وبعد الإسلام: ( أن الفن المعماري الطيني بوادي حضرموت على سبيل المثال مرَّ بمراحل متعددة وأطوار مختلفة قبل وبعد الإسلام، حيث رأينا في آثار العمارات الطينية التي بنيت قبل الإسلام أنها كانت تتزين بنقوش تمثل صور الحيوانات المختلفة مثل الوعل والبقر والغزلان والجمال، وأحياناً كانت المعارك تُوَثَّق بالنقش على الجدران الطينية، وحتى مطاردات الإنسان للأسود وعبادته للأصنام كانت تنقش على تلك الجدران، أما بعد مجيء الإنسان وتهذيبه للفطرة الإنسانية، فقد تميز الطابع المعماري الطيني بمؤثرات إسلامية ظهرت واضحة جلية في المنائر والقباب والأربطة، واتخذت أشكالاً هندسية من المثلثات والمربعات والسداسيات، والأشكال المخروطية والمستديرة وكثرت أشكال الهلال الذي يعتبر رمزاً للعمارة الإسلامية . هذا عن التطور في الشكل والزخرفة المعمارية، أما عن تطور المواد المستخدمة في الخلطة الطينية فقال: إنها كذلك تطورت من حجر يُنحَت مع الكلس المستعمل لربط الحجارة والتشييد والتزيين إلى طين يُحرق بعد مزجه بالتبن المأخوذ من بقايا الشعير والبُرّ.) مدن لا يلحقها عد الأصابع تلك التي كان الطين يوحد كياناتها في خارطة الجهات الأربع ويقف بهيبة كهنوتية ليسجل وقيعة التواجد وسط متغير لاينتهي حتى كأنك تسمع نشيد الكهنة في لحظة الافتتاح الأسطوري لزقورة أور ..معبد التشوق وبيت الله ــ سين ــ اله القمر التي ظلت مدينة أور تدين له بالوفاء والخشوع حتى لحظة حرقها ومسحها من خارطة الوجود رغم أن حمورابي جاء بعد عقود ليقول : كرموا مدينة الطين المقدس ، وأعيدوا بناء مجدها ، فلقد كان العالم ينفس من هنا .. وحتما كان يقصد إن العالم : كان يتنفس من رئة الطين . هذه الزقورة المرصوفة حتى عنق السماء بقوالب الطين الأحمر المشوي أهداها المؤسس الحقيقي لمجد سلالة أور الثلاثة الأمير أور ـ نمو ، أهداها إلى سين كي يحمي المدينة من الغزو وليجعل ليلها ، ليلا سرمديا يضج بشوق قصائد الحانات ونشيج النخل وهو يغرس جذوره غب غرين النهر ويداعب مخيلة الصيادين بحنين القصب والسمك ورؤى الألوهية التي وضعت خواطر الفتى آدابا ليحاول أن يصيب الآلهة في قلبها من خلال ( مرديه الطويل ) لينال منها الخلود ، ولأنه نسى حكمة الطين ورؤيته المشفوعة بأزل الخلق ، تهاوى أمام خداع الاختبار وعاد بشرٌ يتسكع في حانات المدن الملتهبة بجمال طبيعة الأهوار وحاناتها حتى قيل إن في أور وحدها زمن السلالة الثالثة مئات الحانات . لحظة الافتتاح الأسطورية للزقورة التي قلبها من الطين الأحمر كانت كلمات الحمد تنقل رحيق الورد إلى جهات الدنيا كلها . فقد كانت أور تبعث قوافلها الطينية إلى تلك الجهات وكانت تجلب بدله الأحجار الكريمة والتوابل والعطور والخشب والموسلين ، والعاج الذي تصنع منه رؤوس الثيران المثبتة في مقدمة قيثاراتها التي مازال عزفها يمتزج برائحة التراب في أقبية الصمت المذهبة التي بعثرها الأثري ( ليوناردو وولي ) مطلع القرن العشرين فذهبت نهبا موزعة بين متاحف العالم كلها وبقيت حد هذه اللحظة الأقبية الطينية مكانا لصفير الريح وعواء بنات آوى.





