كتاب الحقيقة

متى تخلد ساعتي للنوم

نعيم عبد مهلهل

 
هذا كتاب شعري لشاعر اسمه ( أسعد الجبوري ) ولد على أديم نهر الغراف في مدينة الرفاعي 100 كم شمال مدينة اور السومرية ، ويعيش اليوم بذات النظرات ونبض القلب في بلاد الدنمارك ، وكأنه في هذا المدى البعيد بين درابك اصحاب الطريقة في المقام الصوفي لسيد أحمد الرفاعي حيث ولد ( أسعد ) وبين رياح الشتاء الباردة التي تغطيه بالحنين والثلج وحطب المواقد وأساطير الفايكنك ليضع الرؤى الموحدة للذات الانسانية في رداء القصيدة ، لتحس في هذه القدرة الميتافيزيقية قوة الارادة لنشيد الشاعر وقدرته بين أن يكون صنو الهة الاغريق أو الصانع الحريف لسريالية دمى الخزف المتناثرة في التلال الرملية اطراف مدينة الرفاعي حتى مدن كيش ولارسا واور وحتى الحدود الادارية لقضاء عفك. الكتاب الشعري للشاعر العراقي ــ الكوني ( أسعد الجبوري ) عنوانه ( متى تخلد ساعتي للنوم )  وهو بهذا التعريف لكتابه يضع لنا ملامح لغة جديدة وقوية وترتقي فيها اناشيد خفية ممتلئة بنبؤات مصائرنا وحركة الوجوه والتفاسير المنطقية للقلق البشري الذي باتت سريالية الجبوري ترينا فيه عالما من الآمال والبؤس والتناقضات وعلاج لامراض روحية وبشرية.
لغة صعبة ، ولكن تفاسيرها ممكنة ،  عندما يضعنا الشاعر أمام بوح ذاتي يسكنه القلق من هذه الحركة الكونية المرتبكة التي يراها ويشعر أننا ينبغي أن نجابها بمزيدٍ من الكشوفات السرية التي تحتاج لقواميس كي تفك مشفراتها وليعيش هذا العالم بسلام.
لغة ( معقدة ) ولكنها مسالمة . لغة مرتبكة ولكنها ( عميقة ) لغة تذهب قي قضيتها الى ابعد ما تحتويه صدورنا من قدرة على اخراج الهواء المكبوت فينا ليرينا الجبوري المزيد من تراجيديا الذات الذاهبة الى قصدية تحددها هواجس قصائده ومنها :(( المذكر السالم يخرج للحرب / ويبيع أناث الاساطير النائمة فيه / ماذا بعد أن يوحشك البلد/ ماذا بعد أن يشطرنجك الحب / فيمتدُ كرسيا ممزقا على طول الاجساد التي أنت من سكانها / شيء من هذا القبيل  ص / 18 )) وكما ترى هذه الرؤية المتفننة في تصعيد قدرتها على خلق الايماءة في السر الكامن في اجفان الشاعر يحتاج الى هكذا نشيد تتوازن فيه الرؤية والذكريات وتواريخ تلك المرجعيات القديمة التي ينتمي اليها الشاعر ، مرجعيات المكان البدائي الذي صنع أول ألغاز الخلق ويحتاج من الشاعر اليوم الى التفاعل معه كأرث وحس ومحاور وصديق ، وبلغة قاموسية بلاغتها تؤشر أنها كتبت لتكون اطروحة لشجن الموهبة في جعل ما تكتبه جديدا وليس مستهلكاً مثل وَصفات العطارين.
لقد كان الفايكنك يفكرون كثيرا بالسحر الطوطمي والايقونة الخرافية ، ليأتي إليهم هذا الشاعر ليمسكَ تفاسير اخرى لحياة المكان الذي يعيش فيه فيحوله الى مادة ملحمية لاسئلة العولمة والميتافيزيقيا وتلك التراكيب الصعبة لأحساسنا النفسي ومصائرنا التي ذهب نصفها الى الحروب والمنافي. متى تخلد ساعتي للنوم .ليس كتاب قلق كما يوحي العنوان ، انه كتاب شعر ، وهيميروس يقول :الشعر غذاء الملاحم ، ومولانا جلال الدين الرومي  يقول :الشعر وسادة الارض في سرير السماء .فيما تقول امي : مايكتبه الجنوبي ، تأشير لجهة النافذة السماوية. أسعد الجبوري شاعر جنوبي لشمال قطبي احدث معه وحدة من اجل تطوير الطرح الشعري الازلي : نكتب لنوحد العالم فينا . وهو يكتب ليوحد العالم وهذا الكتاب هو من بعض خطوات هذا التوحيد:كأنني التقط من مطبعة الروح / تفاحة في نهاية اليوم ، لأحتفل بالغرقى / شيء من هذا القبيل ص / 171 . دائما هناك شيء من هذا القبيل يعيدنا الشاعر ( أسعد الجبوري ) اليه وكأنه يعيدنا الى ارحام النطفة الاولى ، يصنع لنا نقطة العودة بعد متاهة تحتاج الى شروحات عديدة ليكتمل المعنى كما فيرلين في اشارته الى نبوغ رامبو : صعب وعلى القواميس أن تطاردك. كتاب ( متى تخلد ساعتي للنوم ) .كتاب يستحق أن نقرأه ، وأن نضيفه بفخر الى ثقافتنا .

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان