كتاب الحقيقة

كل عقلكم يانوبنا..!

علي علي 

 
 
  حين كنا صغارا، أعني صغار عمر وصغار عقل وصغار شأن وصغارا في اتخاذ قرار، وصغارا في كل شيء، كانت أمنا تحضر لنا قبيل ذهابنا الى المدرسة، بضعة أمتعة وأشياء بسيطة ببساطتها وبساطتنا وبساطة الـ (الوكت) آنذاك. أذكر من جملة تلك الأشياء؛ (لفة، كيكاية، نستلاية، تفاحاية وبرتقالاية) ولأننا -أنا وأخوتي- لم نكن نعي شيئا عن القيمة الغذائية لتلك الأكلات، لذا كنا نرفض وضعها في الـ (جنطة) بادئ الأمر، لكن مقابل هذا هناك إلحاح من أمنا يتطور فيتخذ شكل التهديد يجبرنا على أخذها في النهاية. هذه الأحداث في أيام الصيف والربيع، أما في أيام الشتاء حين يشتد المطر، هناك مواد أخرى تضاف الى تلك المواد، أولها الـ (هدوم) حيث تنتقي لنا منها ما يدفئنا ويقينا قر البرد الشديد، وكذلك كانت تلبسنا الـ (قمصلة أم الكبوس) رغما عن أنفنا، لتضمن عدم تعرض أجسادنا الغضة الى قطرات المطر. ومع كل هذه الحيثيات لاأذكر أننا امتنعنا عن الذهاب الى المدرسة يوما، بل كنا فرحين وهي تلبسنا الملابس الـ (ثخينة) الداخلية منها والخارجية، ونتسابق أثناء ذلك في ترديد (الواجب). فتارة نقرأ جدول الضرب بصوت عالٍ، وتارة نقرأ درسا في (القراعة) كأن يكون (الدجاجة السوداء والكلب الصغير). أو (الى متى يبقى البعير على التل). وتارة ثالثة نردد أيام الأسبوع وأسماء الأشهر. ثم توصلنا أمنا الى باب (الحوش) مودعة إيانا بأدعية وطلسمات وكلمات لم نكن ندرك كنهها، وكل ماأذكره هو بضع كلمات منها: (الله يبرالكم وليداتي.. مودعين بالله ورسوله.. علي وياكم) فنذهب مشيا على الأقدام محتذين الـ (چزامي)، عابرين الأطيان والأوحال. وماهي إلا سويعات حتى نعود لها محميين من المطر ومن البرد، وفي (جنطة) كل منا ورقة مكتوب عليها: (10/ 10 ممتاز يابطل).
  ماذكرني بكل هذه الذكريات ودعاني الى الإسهاب والاسترسال في الحديث عنها بالتفصيل، هو ما فعله الكبار أمس الثلاثاء، أعني كبار عمر وكبار عقل وكبار شأن وكبارا في اتخاذ قرار، وكبارا في كل شيء، إذ امتنع بعض أعضاء مجلس نوابنا الموقر، من الحضور الى الجلسة الثامنة من الفصل التشريعي الحالي بسبب هطول الأمطار… نعم هطول الأمطار. مع العلم أن ذهابهم الى (مهجومهم) ليس مشيا على الأقدام، بل في عجلات مصفحة مبردة مدفأة، تطوي الشوارع المعبدة، ولاطين عليهم ولاهم يتبللون. فهل كان قصدهم إحياء ذكر السياب في قصيدته: مطر.. مطر.. مطر.
  وهل يعقل ان تلاميذَ (زعاطيط) هم أحرص منكم في أداء واجباتهم ياأعضاء برلماننا، لاسيما ان بانتظاركم على جدول أعمالكم ليوم أمس كان أكثر من عشر فقرات، كلها في صالح المواطن وصالح البلد؟ وهل تظنون الدعاء الذي كانت أمنا تدعو به ربنا من أجلنا، هو ذات الدعاء الذي تدعو به أمهات الشعب العراقي ربهن عليكم؟ 
 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان