كتاب الحقيقة

لذكرى ثورة شعب مصر

سامي كاظم فرج

ايها السادة الذين ما سقطت مفردة ديمقراطية من افواههم ان الديمقراطية يا سادتي ممارسة وسلوك ونهج تربوي.. الديمقراطية ليست قانوناً يحتوي على بنود وفقرات وابواب كما انها ليست وصفة جاهزة بمجرد ما ان يتعاطاها المعتل ستبرئه من اعتلاله على الفور.. لا.. انها نظام فريد للحكم.. والديمقراطية المعاصرة هي نتاج للعصر الصناعي وعصر الحداثة الذي تميز بالتمدين والعلمانية واللبرالية.. لذا فان اي انسجام بين الفكر القومي المتطرف والفكر الديني والكولينيالي من جهة وبين الديمقراطية من جهة هو محال لا بل وضرب من الطوباوية او محاولة لتبييض وجوه ملأها السخام والأدل على ذلك هو ما يتشبث به البعض ،من  الذين تسري بدمائهم الدكتاتورية وتعذرعليهم خلع رداء النرجسية بالقشور الورقية للديمقراطية.. ولعل التجربة المصرية قادرة على ان تلبي ما نطمح اليه لوضع اجابات شافية للكثير من التساؤلات ثم التحرك باتجاه محاولات متواضعة من اجل النأي بالديمقراطية عن كل ما يلوثها.. بعد ان هب الشعب المصري البطل بوجه حسني مبارك ليقول له بكل صدق وصراحة واصرار و (بفم مليان) (ارحل) وعلى الرغم من كل المحاولات التي سعى اليها مبارك وطاقمه والاساليب التي اعتمدها بما فيها (التذلل) والخنوع لاستمالة مشاعر الشارع المصري الا انه ادرك فيما بعد ان الشعب عازم هذه المرة على اطلاق رصاصة الرحمة على النظام الذي اعتقله وراء قضبان(حالة الطوارئ) منذ العام 1956 بحجة وجود ورم في الجسد العربي تمت عملية التعايش والتعاطي معه منهية مبرر وجود الطوارئ التي تشبث الحكام باستمرارها لانشاء نظام خلافة تحت مسمى جمهوري.. وهكذا تم لشعب الكنانة ما اراد ولملم مبارك حقائبه مع وليي عهده ومجموع من في البلاط ليستقر اخيرا على نقالة في قفص الاتهام..!! وبما افرزته التجارب المماثلة في الربيع العربي ونتيجة لها اخذ لعاب الاخوان المسلمين يسيل على (العرش) وجميع المواقع التي شغرت علهم يؤسسوا لحلم امبراطوريتهم الاسلامية.. هذا على الرغم من انعدام اي فاعلية وغياب اي دور لهم في الثورة التي اسقطت مبارك ونظامه..!! وجرت انتخابات الرئاسة وبغض النظر عما هو مخطط له من خارج البيت المصري ولكن القوى العلمانية والليبرالية ارتكبت خطأ جسيما حين زجت بعدد من المرشحين مقابل الاخواني محمد مرسي وقد ادى ذلك الى تفتت وتشرذم الاصوات وبالنتيجة حصول مرسي على اكثر عدد من الاصوات ليفوز بالرئاسة وقد قوبل هذا الفوز من قبل تنظيمات الاخوان المسلمين بما يشبه حالة التشفي بالمصريين الذين خنقوا هذا الاخطبوط المتطرف على مدى عقود وكذلك بكل التيارات الليبرالية والعلمانية المعتدلة خارج مصر.. من الممكن القول بان هذه (الارتدادة) غير المتوقعة ولدت حالة من الاغماء المؤقت للشعب المصري او لنقل حالة من الذهول من حدث غير واقعي.. ولكن سرعان ما استفاق منها على وقع الخطوات الثقيلة لمرسي باتجاه تكريس الدكتاتورية الاخوانية من خلال (التحرش) باستقلالية القضاء والتوجه للامساك بمقاليد السلطة التشريعية كذلك التطاول بين الحين والاخر ومحاولة التقرب لخطوط حمراء تمس حرية الشعب ما تجرأت حتى الدكتاتورية البائدة على مجرد التفكير بالتقرب منها..!! وما ان ادرك مرسي ومعه الاخوان انه (لعب بالنار) وان هذه النار ستأتي على اخضره ويابسه لجأ الى الاسطوانة المشروخة التي راح يصر على ترديدها هو واخوانه بانه رئيس شرعي وانه جاء عن طريق صناديق الاقتراع.. وانه .. وانه..!! ودوت صرخة الشعب المصري لتغطي على الاصوات النشاز وتزلزل الارض من تحت اقدام مرسي وتشابك اللحى مع بعضها وتزرع الذهول في رؤوس مسخ لتعلن ان يوم الثلاثين من حزيران هو يوم الفصل.. لقد خرجت الملايين لتعلن مطاليبها التي اختزلت بكلمة واحدة (ارحل) وبعد التخبط وفقدان الرشد حتى من مرشدهم الاعلى والتصريحات المتطرفة والتي تخللتها عبارات التهديد واالوعيد (في الدنيا وفي الاخرة) .. وتبلورت ردة فعل الجيش المصري الباسل ليقول كلمته التي اعلن فيها ولاءه غير المشروط للشعب ممهلا النظام 48 ساعة لتلبية مطاليبه (الرحيل)..!! وهكذا اصيب مرسي واخوانه بهوس وعدم اتزان وراحوا يتعكزا على الشرعية بشكل واسلوب فاقد للشرعية فنسوا او تناسوا ان الشرعية التي اوصلتهم عن طريق صناديق الاقتراع ميتة سريريا امام هذه الشرعية الملايينية التي اصطبغ بها ميدان التحرير وماجت بها احياء وشوارع مصر.. نسي الرئيس الملتحي ان الشعب الذي جاء به بواسطة استمارات الاقتراع بصمت هو ذاته الذي يقترع اليوم ولكن بصوت مدوي مطالبا اياه بالرحيل فما باله وما الذي حدث مادام متمسكا بالشرعية.. ما الذي افقده التوازن والرصانة حين اوشكت الثمان واربعون ساعة على الانتهاء، وبدأ حكم المباراة ينظر الى ساعته لاطلاق صفارته ليعلن فيها نهاية المباراة.. مابال مرسي.. هل هو طعم الكرسي أم ماذا..؟! انها تجربة عظيمة وخالدة وستجبر التاريخ على تدوينها على صفحاته بحروف من ذهب.. انها رسالة حقا.. فالذين يسعون الى تمرير نواياهم السوداء ونفث سمومهم الصفراء في اكباد الشعوب .. الى الذين تقودهم اضغاث احلامهم المريضة الى السعي الحثيث لجر الشعوب كما تجر حيوانات الركوب متعكزين دون خجل او وجل على الاحرف (د.ي.م.ق.ر.ا.ط.ي.ة).. نقول لكم ان هذه الحروف التي تجيدون جمعها وتداولها كيف ومتى اردتم تقتلون بدعوى الحفاظ عليها وتسرقون تحت لوائها وتكذبون متى شئتم.. نذكركم بانها مجرد حروف مكتوبة على اوراقكم لا تهش ولا تنش ولكم ان تتطلعوا باعينكم الى ان الديمقراطية السلوك والفعل التي جسدها الشعب المصري الشامخ.. تمعنوا كيف امتشق سيف الديمقراطية وكيف قام برمي الجرذان التي (سلبت راحته) بعض الوقت في حاويات القمامة..هنيئا للشعب المصري الاغر وهو يحتفل بالذكرى الثالثة لثورته العظيمة  ويا ايها الذين تدعون الايمان..ان الشعوب قريبة من بعضها البعض قريبة جدا.. فاعتبروا..

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان