علي علي
يبدو ان الموعد الوحيد الذي يتحقق في عراقنا من دون إخلاف كل رأس شهر، هو الحصيلة النهائية لعدد العراقيين الذين يروحون ضحية الهجمات الإرهابية للشهر الذي يسبقه. إذ عودتنا بيانات تصدر من جهات مختصة، على استقبال شهر جديد بتوديع آخر قبله، مضمخا بدماء أخوتنا وأصدقائنا وأبنائنا وأحبتنا وزملائنا، بحيث أصبح الموت أقل ضريبة وأوطأ جباية على العراقي أن يدفعها (قرض فرض) في صباح من صباحات حياته، او مساء من مساءات أيامه إن عاجلا أو آجلا، في بلده الذي يحلم أن يكون يوما ما آمنا. أما السبب في هذا فهو هويته العراقية، وانتماؤه لبلده وأرضه، وأما المسبب فهم حتما القريبون منه والراعون له والمسؤولون عنه والمفوضون بأمره، وليسوا مخلوقات غريبة نزلت عليه من سماء سادسة او سابعة.
لقد قدم العراق خلال شهر كانون الثاني المنصرم كعادته، عددا آخر من (ولد الخايبة) وهذه المرة بلغ تعدادهم (1013) مغبونا ومظلوما ومغدورا، بإحصائية موجعة يوم أمس، وهي -كما تقول مصادر- تعد أكثر بثلاثة أضعاف من تلك المسجلة في المدة نفسها قبل عام. مقابل هذا نرى ان مجالس البلد الثلاثة تعمل في وادٍ غير وادي الشعب، ولاسيما مجلس النواب الذي كان حريا به ان يتعجل بإقرار القوانين التي تخدم الصالح العام، فالإسراع في بتها وتشريعها، وإلزام مؤسسات المجلس التنفيذي بالعمل بها، سيقود البلد الى وضع أكثر أمنا وأمانا. فبالأمس كعادته أرجأ رئيس مجلس النواب مناقشة الموازنة، ولاأظن ان بارقة أمل تفيد بان هذا الإرجاء هو الأخير. كذلك قانون التقاعد الموحد هو الآخر، فقد أخذ طريقه الى سلم القراءات غير المنتهي. وتطول بهذا المواعيد حتى تكاد تغلب (عرقوب) بمواعيده، وكأن لسان حالنا يقول:
لا تدعني ككمون بمزرعة
إن فاته الماء أغنته المواعيد
فهل يعلم رئيس البرلمان وأعضاؤه وأرباب الكتل والأحزاب، ان التلكؤ والتباطؤ في إقرار القوانين يفضي الى استغلال المتصيدين في عكر المياه هذا التأخير، ويجيّرونه لصالحهم ولصالح أجنداتهم التي تسيرهم، أي أن الإرهاب وتقصير البرلمان في أداء واجباته مربوطان على التوالي، وقطعا معلوم من يكون الضحية، ومن يدفع الثمن الباهظ من جراء ذلك. إذ باستطلاع للسنوات العشر السابقة، يتبين بكل وضوح ان الوضع الأمني للبلد مرتبط بشكل وطيد بالسياسيين وقراراتهم، وله علاقة مباشرة بخلافاتهم، والامر هنا يأخذ شكلا آخر، إذ أن أي منظر للساحة العراقية يدرك ببساطة، ان لبعض السياسيين دورا ضليعا بتردي الحالة الأمنية فيها، وهنا تشير كما -أشارت سابقا- أصابع الاتهام الى بعض الساسة، لاسيما ان بعضهم كانت قد ثبتت عليه جرائم وتورطات بأعمال إرهابية، فهل هم قياديون في مجالس البلد؟ أم هم قياديون في منظمات إرهابية مدفوعة الثمن سلفا!. وهل نقول: اختلط الحابل بالنابل؟ أم نقول: (ضاع ابتر بين البتران)!





