كتاب الحقيقة

لمحات مضيئة من حياة عبد الكريم قاسم بمناسبة الذكرى الـ(51) لاستشهاده

نجم الساعدي

 
لقد حملت الجماهير العراقية على مدى خمسة عقود (عبد الكريم قاسم) نوطا للشرف والاباء والنخوة، نوطً فيه كل القيم الاخلاقية الرفيعة كما ان الجماهير التي افنى عمره في سبيل اسعادها رسمت صورته في القمر بعد استشهاده وكانت لا تصدق ان هكذا محبوب يغيب فجأة لانه دخل اعماق الضمائر والقلوب.
صحيح انه غيب شخصا لكنه لا يزال يعيش رمزا تنظر الاجيال ان يجود الزمان بشبيه له.. لقد ترهبن عبد الكريم قاسم ولكن بدين الاسلام وتعالميه وقد صام دهره جسدا عن الغرائز والملذات وغادر دنياه صائما محتسبا برصاصات الغدر والخيانة لكنه كان شجاعا في مواجهة الموت الذي يخاف منه بنو آدم فأبى ان تغمض عينه وتلقى الرصاصات وهو ينظر الى كل القتلة ومنهم من اعفى عنه واحسن اليه (رفيقه الخائن عبد السلام عارف) الذي جاء على رأس السلطة في 8 شباط 1963.
لقد اراد الزعيم الشهيد ان يكون لحياته معنىً فدرس وعمل معلما في مدرسة الشامية الابتدائية ولم يرضه طموحه هذا الواجب وتطلع الى دور اكبر في خدمة الشعب فدخل الكلية العسكرية ليصبح ضابطا يرتقي فيما بعد الى قائدا وزعيما يفني عمره في خدمة شعبه بكل شجاعة واخلاص.
لقد كان رغيف الخبز الذي يحرص ان يكون في متناول الجميع هو قوميته وكان بناء الدور والمنازل لعامة الشعب والفقراء خاصة وتوفير التعليم والخدمات الصحية هي نظريته في الحكم اضافة الى المجالات الاخرى الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، لم تبدل الحياة العسكرية وقسوتها شيئا في اخلاق وسلوكية عبد الكريم قاسم لكنه تعلم منها الالتزام والضبط والامانة في تنفيذ الوعود التي قطعها على نفسه لتحقيق اهدافه السامية في خدمة وطنه وشعبه.
ومن اللمحات المضيئة في حياته انه كان بسيطا في مأكله ولكنه كان حريصا على قيافته وهندامه ويقوم بكي ملابسه الخارجية والداخلية بنفسه ولم يتعب حتى عامل المكوى الهندي الاصل.
وكان ميالا الى النبات في طعامه وكثيرا ما كان يفتح الصمونة بيده ويحشوها بـ(اللوبياء والخيار والبصل) فقط واذا اراد ان يترفه قليلا فانه يذهب الى المطاعم الشعبية لتناول وجبة طعام وكان يتردد على مطعم (باجة الحاتي) في شارع الشيخ عمر مع عمال تصليح السيارات ويجلس مؤدبا يعطي ظهره للعمال خوفا من احراجهم، وفي احدى المرات استأذن صاحب المطعم في ان يبقي عليه مبلغ (ربع دينار) الى اليوم التالي لانه كان لا يملكه وهو زعيم العراق والقائد العام للقوات المسلحة.
ومن مآثر الزعيم الخالد بعد 14 تموز 1958 انه قام بالتبرع بقطعة الارض الوحيدة التي تمتلكها العائلة في قضاء الصويرة لتبنى عليها مدرسة للبنات سميت بعد اكمال بنائها ( بثانوية عبد الكريم قاسم للبنات) وبعد انقلاب 8 شباط قاموا بتغيير تسميتها الى (ثانوية الصويرة للبنات) ومن ثم الى (ثانوية قادسية صدام) ولكنها اليوم تحمل اسم (ثانوية الزعيم عبد الكريم قاسم).
كم كان الزعيم عبد الكريم قاسم يتلذذ بعد انتصاف الليل ان يطلع على احوال الناس وخاصة فقراء مدينة الثورة التي كان يزورها في اولى مراحل البناء فيها بعد ان كلف لجنة لتوزيع اراضيها بواقع 144م2 لكل عائلة من العوائل الفقيرة خلف السدة والشاكرية.
وقد ابدع حينها المهندس (رفعت الجادرجي) الذي قام بتصميمها على شكل قطاعات لكل قطاع الف دار مع ان مساحتها كانت صغيرة الا انها كانت على قدر امكانيات العوائل ولاول مرة اصبح الفقراء في بغداد يسكنون في مساكن مشيدة من الطابوق ويرون نور الكهرباء والماء الصالح للشرب يصل بيوتهم، وكثيرا ما كان الزعيم يتقاسم (شياف الركي) مع صبيان مدينة الثورة ويجالسهم عند بائع (الركي) في مدخل المدينة بالقرب من دور الموظفين (وجامع السيد حسين العلاق).
هذا غيض من فيض لا تتسع له صفحات الجرائد، “المهم ان الزعيم حاز اوسمة كثيرة في حياته العسكرية لكنه كان فرحا وحريصا على حيازة وسام الشعب العراقي لانه اراد له ان يكون حرا منتصرا لا منتدبا فطرز صدره الشريف بوسام الشرف المصنوع من دمه وليس من الذهب وخرج من هذه الدنيا ببدلته العسكرية (الخاكية) التي كان يعتز بها الى دنيا الخلود” كما يقول الاستاذ عبد العباس عبد الجاسم في روايته (عبد الكريم قاسم حقيقة التاريخ وتاريخ الحقيقة).

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان