نعيم عبد مهلهل
لفتت انتباهي لافتة صغيرة على بوابة أحد المساجد تقول (( أقطع اتصالك بالخلق وأجعل اتصالك مع الخالق .))..والعبارة تنبهُ المصلينَ إلى ضرورةٍ واجبةٍ لغلقِ هواتفهم النقالة وهم يؤمون الصلاة في المسجد.
هذه العبارة ، أخذتني إلى رؤى التخيل في ذلك الهاجس القديم الذي يشد البشر بما فوقهم . السماء الفسيحة بجهات لا تنتهي . القمر والنجوم والشمس والسحب ، تلك التي تسيرها قدرة القدير ، وتصنع لها على الأرض ضرورات لولاها لما كانت الحياة.
إذن هاجس الاتصال هو هاجس الأزل المصنوع من لحظة التأمل والتفكير ، ثم مشت الدنيا الى أقدارها الجديدة بفضل كتب السماء والرسل وصانعي الحضارات من أهل بلاد الرافدين وبلاد النيل وفلسطين والإغريق وأهل الجزيرة العربية والفرس وغيرهم من أقوام حضارات سادت ثم بادت.
هذا الهاجس ولد روحياً ، وتطور ليصبح لاسلكياً ، وبين الروح وخلايا (الانتكريت ) التي تكون المنظومة الأثيرية للهاتف النقال ، تمتد رؤى التواصل وتمشي الحضارات على أرصفة الأرقام ومعادلات الفيزياء وشرائع النصر والهزيمة ، وفي كل هذا هناك من يسعى لإبقاء الاتصال مع السماء أو البشر بطرائق لا تحصى ، فالجغرافية كانت وسيلة اتصال خرائطها تعتمد على الخيول ثم انتهت الى طائرات الايرــ باص ، والعاشق كان يعتمد على الحمام الزاجل في اتصاله مع حبيبته ، فيما كانت أثينا تعتمد على العداء الزنجي الذي اكتشف المارثون ليبقيَّ الملك الإغريقي متصلاً مع مجلس شيوخه .حتى الصباح كان يتصل باليوم الجديد من خلال صياح الديك ..حتى صارت نغمة ( كوكو كوكو ) أشهر نغمات الهاتف النقال (نوكيا ) .. لكن كل هذه الوسائل مهما يطول عمرها تتعرض للعطب والاستهلاك وكاوية التصليح ومحلات الخردة ، فيما تبقى وسيلة الاتصال الروحي هي الأزل الباقي الذي لا يكلف البشر شراء جهاز أو عقد صفقات ترخيص عمل أو بناء أبراج ومنصات مركبات فضائية وموانئ بحرية وجوية .لأن الخالق في قدرته الوجدانية وصنعته للكون جعل من الروح القناة الأولى التي تجعل البشر يسكنون إلى قناعة العيش والموت وما يصيبهم من قدر الدنيا ، فقير أو غني ، ملك أو عريف فصيل في جبهة الحرب أو مؤذن في الجامع أو كاتب عرائض في بوابة المحكمة الشرعية ، وظلت عاطفة الاتصال هذه تمثل أنموذجا متقدماً وعصرياً من نماذج الاتصال ، ومهما عملت سامسونج ، وغيرها من شركات وسائل الاتصال ( نوكيا ، وسيمنس ، وفيلبس ، وناشيونال ) فإنهما لن تسطيع أن تلتحق بمكنكة وتكوين هذا الاتصال الذي صنعه الخالق في مخيلتنا وفيه نستطيع عن طريق وسائل بسيطة لا كهربة فيها ولا مغناطيس أن نتصل ونتواصل مع أبعد نقطة في السماء الفسيحة حيث يدركنا وجد التحول والاعتقاد والحس إن نقطة ما في هذا الكون الفسيح وقد عرج إليها رسول الله ( ص ) .هي نقطة البدء الكوني وبمحاذاتها ما نتمناه من فراديس إن كنا صالحين في دنيانا ، ولنا السعير إن كنا عكس ذلك ، وتلك الأدوات تتمثل في وسيلتين غاية في البساطة ، هما ( الصلاة ، والدعاء ) وفيهما تستطيع أن تبحر أنى شئت وتتصل لتنقل لمن هو في العلو الأزلي أمانيك وأحلامك وخواطر دموعك وخفقات قلبك وكل شيء.إذن وأنت في حضرة الخالق ، بين يديه ومساحة فضاءات طاعته والتوسل إليه بطلب رحمة ومغفرة عليك أن تقطع اتصالك بالخلق ، وتغلق الموبايل . فكما يقول أحد المتصوفة الغارقين في مناجاة المنى والاتصال ( إن أثيري إليه دمعتي وحبل الوصل خفقة القلب ، والمصافحة شهقة روحي وأنا أموت لأجله )…هذا الأثير الجميل ، يظل يخفق بالوجدان النقي والمجاني ، فيما أثير الهاتف النقال يخفق بخسارة الجيب وتعبئة البطاقة والرصيد .
وبين تعبئة البطاقة ، وتعبئة دمعة العين لحظة ضياع الرغيف ، تولد روح المؤمن ونفترض لنا الوجود الحقيقي .الوجود الذي لا يدفعنا إلى خسارة وطن بسبب رغبة في مهاتفة حبيبة القلب بوساطة موبايل من النوع ( الهمر )* ….





