كتاب الحقيقة

اختلفت الأعمار واتفقت القلوب..

آمنة عبد العزيز

مازالت ذاكرتي الحالية تحرضني على حبه , ومازال فكري السياسي ( المستقل ) ينحاز لعراقيته , نعم فالفكر الذي أحمله عراقيا خالصا لوطني وأنتماء الحب الذي يغمرني له. 

ففي كثير من مراحل حياتي كنت أنصت لتلك الأحاديث المتكررة بالأعجاب لرجل عاش ذاكرة السنون وتمكن من حفر أسمه في القلوب رغم أن أسمه متداول بأشخاص كثيرين! .

عبد الكريم قاسم أو كما يحلو لمن يعشقوه أن يكنوه بلقبه العسكري (الزعيم)

كانت والدتي رحمها الله تتكلم عنه وكانه الرجل الوحيد الذي عرفته بصفات الرجولة , وكانت تتغنى به أسطورة من خرافة الأساطير في زمن لم تعد به الأسطورة لها وجود , وكيف كانت تلقي على مسامعنا حكاياته مع الفقراء والبسطاء وكيف كان له حد السيف بالحب للطبقة الكادحة التي ينتمي لها الزعيم , حتى عرفت يومياته , غداءه , والـ ( سفرطاس ) الذي يحمل أكلته المفضلة ( البامية العراقية  والتمن ) وطريقة قيلولته بغرفته بوزارة الدفاع و(بجامته المقلمة ) صناعة عراقية كالتي يرتديها عامة الشعب من الرجال والبيت الذي يستأجره وحكاية الرغيف الذي حرص أن يكون أكبر حجما من صورته في ذاك المخبز في منطقة الفضل وتلك المرأة العجوز من مدينة الثورة (الصدر) حاليا حينما نعتته بالمجنون وهو يسألها عن سبب عدم بناء قطعة الأرض التي أعطيت لها , فقالت ( عبد الكريم قاسم المجنون  أنطانه الگاع وماعدنه فلوس نبنيها ) وكان ماكان من موقف الزعيم ببناء دارها , حتى تعامله مع خصومه ولغة السلام والتسامح ( وعفا الله عما سلف ) في أنهاء الأحقاد التي يمقتها ,هذا وغيره من حكايات رجل لم أعش زمانه ولم أشهد وجهه المرسوم بخارطة العراق الذي أراده قلبه والذي كان يسارع بنبضاته سنوات الحلم حينما كان يردد ( سأجعل من بغداد مدينة يسعى لها العالم لمشاهدتها كواحدة من مدن الحلم) 

كل هذا وأنا أعرف الزعيم عبد الكريم قاسم (حكاية) سرقها زمن بغيض يغتال  الرجل الحقيقة , وفي عام 2005 كنت أقرب للرجل حينما ذهبت لبيت نضال المهداوي أبنه الرجل القريب من الزعيم وأبن خالته وفائزة المهداوي أخت فاضل عباس المهداوي لأعرف منهما سيرة أخرى بالصور وبالحقائق عنه , فلم تختلف الإثنتان عن ذكر صفاته من أدب ورفعة وحكمة وتواضع وحينما تحدثت نضال بتلك التفاصيل المؤثرة بها عن الزعيم , قالت : كنت أراقب أناقته وعطره الذي يسبقه عند دخوله منزلنا وكيف كان يحثني على الدراسة والتفوق وكيف كانت المنطقة التي نسكن تتحول لعرس حينما يصلها ولم تخفِ نضال اعجابها به كفارس لحلم بنات جيلها وكما قالت : كنا نسأله لم لا تتزوج ؟ فيجيب أنا أقترنت بالعراق واتخذته أسرة وأولاد وعائلة ، ولن أتزوج وهناك شباب يحلمون بالأستقرار !

اليوم مازال الرجل الحلم يسكن الذاكرة لا يغادرها ويتخذ من قلوب معاصريه مدفنا آمنا بالبقاء ورغم أني وكثيرين مثلي من أجيال لم تعايش زمنه الا أن عبد الكريم قاسم ألذي عشقه العراقيون أختلفت عليه الأعمار بالحب وأتفقت عليه القلوب بالحب .

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان