كتاب الحقيقة

ماذا سيكتب التاريخ عن هذه المرحلة ؟

عبد المنعم الاعسم

 
اولا من هو الذي سيكتب التاريخ؟ الحكام، ام المحكومون؟ الحق انهما سيكتبان اساطير وبطولات وانصاف حقائق. اما الحقائق الكاملة، غير المغشوشة، فهي صنعة اولئك المغضوب عليهم، المجلودة ظهورهم، من الشهود والرواة والعلماء والشهداء، الفارّين من الطوائف والعصبيات والولاءات، الذين اشتغلوا على ما وراء الاحداث وسجلوا الوقائع من دون ان ينظروا خوفا الى نوافذ الحاكم، او ينتظروا “عفارم” زبانيته، بل انهم اصحاب فكرة مزبلة التاريخ حين يتدحرج الطغاة وانظمة الاستبداد والمزورون واعداء الحرية الى هناك كنهاية تليق بهم.
غاليلو والكندي واسحاق نيوتن وليوناردو دافنشي وفيكتور هيجو والحلاج، وغيرهم كثيرون قلبوا سياق الكتابة عن التاريخ فلم يرووا لنا حكايات منفوخٌ في ملامحها ولم تكن لتهمهم مكائد القصور ومؤامرات الخلفاء والاباطرة، ولا مرضاة صاحب النعمة، ومجد اولئك انهم علموا الكتبة من اية زاوية يقرأون الاحداث والوقائع وفي اي مكان يضعونها، وان يكونوا متحصنين ضد زلات المبالغة والغش.
لنتذكر المشكلة التاريخية التالية: عندما احترقت روما (هكذا كتب المؤرخون) كان نيرون يعزف، متسليا، بقيثارته، ودخلت هذه المفارقة (وقل القيثارة) في كراسات المدارس وكتب التاريخ، ثم اكتشف بعد ذلك ان القيثارة لم تكن قد اختُرعت آنذاك في عصر نيرون، ثم، وهذا المهم، لم يعتذر احد من الذين دسوا هذه الكذبة في كتب التاريخ، او في ذاكرتنا، ويُزعم ان نيوتن اكتشف قانون الجاذبية الارضية لما لاحظ تفاحة تسقط من الشجرة، لكن الوثائق العلمية لأكاديمية العلوم البريطانية تبطل رواية التفاحة وتؤكد انه تم التوصل الى صياغة قانون الجاذبية بعد نيوتن بسنوات، لكن ليس من دون جهوده الرائدة والتأسيسية.
القضية برمتها بسيطة، فان ما يعتبر حقيقة في جانب من جبال البرانس (كما يقول باسكال) يعتبر لا حقيقي في الجانب الآخر، كما ان العلوم الحديثة تحذرنا مما يقال على انها حقائق تاريخية، يكفي هنا ان يشار الى قصة النعامة التي ترسخت في ذاكرتنا على انها تتقي الخطر عن طريق دس رأسها في الرمال، ثم يخبرنا العلم ان هذه الرواية لا ثبت لها ولم يشاهد احد نعامة تزاول هذه الحركة الملفقة، ويمكن ان نضيف الى حكاية النعامة الزائفة حكاية اخرى (اكثر زيفا) تتصل بدموع التماسيح، إذ نكتشف ان التماسيح لا تذرف الدموع لسبب بسيط هو انها لا تملك غددا دمعية.
فماذا تبقى من عذر للذين يذرفون تلك الدموع.
“إذا كنت لاتستطيع الابتسامة فلاتفتح دكانا” .
 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان