كتاب الحقيقة

الحب.. هل له عيد في العراق؟

علي علي 

 
    تتهيأ دول العام هذه الأيام للاحتفال بعيد أطلقوا عليه تسمية عيد الحب، ولم تكن هذه التسمية اعتباطا، فهذا الشعور السامي الذي يعد أساس كل العلاقات الإنسانية، لايمكن الاستغناء عنه في كل الأزمنة والأماكن وفي كل الظروف. إذ هو يبدأ من لحظة خروجنا الى الدنيا من أرحام أمهاتنا، ومن أول شهقة هواء تدخل رئاتنا، ومن أول حضن يحتوينا، وقبل هذا وذاك حب خالقنا لنا، بأن جعلنا بأحسن تقويم، وسخر لنا مافي السماوات والأرض، وقطعا هذا أصدق دليل على كم الحب وحجمه وعدده من خالقنا تعالى تجاهنا.   
  ونحن في عراقنا الذي يشغل حيزا مساحته (437,072) كم2 من أصل (510,066,000)كم2 برًا وبحرًا، نعوم في الكون اللامتناهي، غارقين جميعنا في جملة مشاعر وأحاسيس، مخيّرين بين الحب والكره، والود والبغض، والطمأنينة والظغينة، والسلام والحرب، والانسجام والتنافر، والوئام والعداء، فأيها نختار!.
  قطعا كل من آمن بالحب أمامه مساحة واسعة يترجم بكل شبر فيها ماآمن به، وأول شبر هو ماتحت قدميه، وما تطأه أقدامنا نحن العراقيون أرض تستحق منا كل الحب والولاء، وكيف لا! وهي أم الارض، هي مهد الحضارات، هي مهبط الأنبياء، هي مرقد الأولياء والأوصياء، هي منبع العلوم والفنون والآداب، هي أرض الرافدين والبيت الكبير الذي يضمنا جميعا، أوليس حريا بنا ان نوليه اهتمامنا! وهو الذي يجود لنا بخيراته. وكم يكون الجواب محزنا لو استطلعنا عن عدد العراقيين الذين يعرفون ان عيد الحب سيصادف غدا! ولِمَ لم يعرفه الباقون؟ ومن المسبب في ذلك؟ وكيف حصل؟…الى ان نغرق في دوامة التساؤلات، والاجابة ليست صعبة، لكنها مُرة. 
   فأنّى للعراقي ان يعرف عيد الحب او يوم الارض او يوم الشجرة او يوم المرأة او يوم شم النسيم، وهو لاهث بين الخوف والخبز والموت والمنفى، وما ذلك إلا نتاج مايفعله الساسة والسادة المسؤولون الذين تعاقبوا وتناوبوا -على مر العقود- في مسك السياط وجلده لأنه…عراقي فحسب. عاش حياته مذ وعى لايعرف غير (جاك الذيب جاك الواوي) معذور انت ياعراقي، كيف يتسنى لك تمييز الأعياد والأيام وانت كما يقول المتنبي: 
          لا يُعجبنَّ مضيمًا حسنُ بِزَّته
                                       وهل يروق دفينا جودةُ الكفن؟
   أذكر ان زميلا إعلاميا قام باستطلاع آراء في عيد الحب الماضي، ومن ضمن الأماكن التي زارها في بغداد، سوق شعبي في حي من أحياء العاصمة بغداد، فرأى امرأة كبيرة السن مفترشة الأرض، متوشحة سوادا من هامة رأسها الى أخمص قدميها، كباقي العراقيات اللائي دأبن على ارتداء هذا اللون في كل المناسبات، كانت هذا المرأة تحتضن صفيحة صدئة مثقبة بعشوائية، فيها بقايا جمر ورماد يقيها قرَّ الشتاء، ويدفئ أوصالها التي ترتعد بردا وهي ناشرة أمامها (بسطيـّة) فيها أشياء عديدة الأشكال ومتنوعة الاستخدامات، إلا أنها تشترك في شيء واحد هو ثمنها..! إذ كان صوت المرأة المبحوح ينادي بانكسار مايبوح بالتسعيرة الثابتة لما تبيعه وهي: (حاجة بربع… حاجة بربع… حاجة بربع…) سألها زميلي: حجيّة ما رأيك بعيد الحب؟ أجابته بسليقة أمهاتنا العراقيات الـ (شبعانات ضيم) جوابا لاأظنه يحتاج تعليقا او توضيحا، بل أتركه لقارئ سطوري هذه، لقد قالت له: 
(خايب آنــه عيــد الـلـه واكـبـر ما اعرفه شنهو).

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان