كتاب الحقيقة

استذكار لـ(هاشمية رسن)

عدنان الفضلي

   البارحة ليلاً تمنيت ان لا أصحو وان تطول مدة نومي، لأن هناك انسانة عزيزة افتقدها جداً هي المرحومة (هاشمية رسن) زارتني في منامي لتطمئن عليّ، وبقينا أنا وهي نتحدث عن همومنا المشتركة وتعاتبنا على أشياء عدة منها رحيلها المفاجئ ، وأخبرتها اني نادم جداً لعدم التصوير معها والاحتفاظ بتلك الصورة معي، كما سألتها عن فلذة كبدي (غزوان) ان كانت قد التقت به في مقرهما المشترك عند رب العالمين، واخبرتني انه يزورها كل يوم ويقضي لها حاجاتها وأمورها، وصارت تمتدحه بشدة وتقول انه طيب مثلي لا يرد لها طلباً، ثم سألتني عن أولادها وبناتها فأخبرتها بأنهم جميعاً بخير ولا ينقصهم سوى رؤيتك، وبعدها لا أدري ما الذي قطع علينا حوارنا حيث صحوت وانا منزعج من قطع الحوار مع هذه الإنسانة الغالية والرائعة.

وحتى أعرفكم بها.. سأخبركم من جديد.. وأقول (من جديد) كوني كثيراً ما كتبت عن هذه الإنسانة الغالية.. وسأعلمكم بأن هاشمية رسن كانت امرأة عراقية أصيلة، تحمل بداخلها كل طيبة الجنوب، وتفوح منها رائحة القصب والطين، وتمتلك لغة جنوبية ورثتها من والدها الذي تقول انه مات وهو راكب فرسه، في اشارة منها الى فروسية ذلك الوالد الطيب.

    وهاشمية رسن وحتى مدة قريبة كانت تتمتع بصحة جيدة، لكنها انهارت فجأة بعد ان (شبعت ماي) بسبب الصخرة التي اغلقت مجاري بغداد، فهي وبعمرها هذا لا يمكنها تحمل هذه الأجواء التي لا يستطيع مواجهتها الشبان، فكيف بامرأة دخلت عقدها السابع ان تتحمل الفيضانات التي تنقعت بها كلياً رغم حرص اولادها على وضعها بمكان آمن.

هاشمية رسن اذا كان لها موقف مضاد من الحكومة، فمصدره انها -اي الحكومة- قصرت تجاهها حين لم تستطع حل قضية الماء والمجاري والحصة التموينية والكهرباء طيلة الاعوام العشرة الماضية، وبالتالي كانت سبباً في رقودها على فراش المرض ومن ثم الرحيل والصعود الى السماء. كما ان لهاشمية رسن (هواي عتب) على المسؤولين العراقيين الذين لم يستطيعوا حل ازمة السكن، واعطاءها حق الحصول على بيت تستطيع ان تنام به دون ان تزعج الاخرين من عائلتها التي تعيش في بيت لا يتسع لاربعة اشخاص، في حين ان تلك العائلة تتكون من عشرة اشخاص، يتكوّرون ليلاً في غرفتين مستأجرتين، لانها لم تمتلك منزلاً خاصاً لضيق الحال المزمن.

هاشمية رسن ام لشهيد عراقي، ووالدة لمجموعة خيرة من المخلصين، منهم من يخدم في الجامعات العراقية وآخر افنى حياته في العمل الصحفي، لكنه لم ينل حقه، ذلك هو الزميل الاعلامي والناقد السينمائي صباح محسن.

هاشمية رسن كانت بحاجة الى وقفة (مالچية)، تمسك برسن الحكومة وتقودها الى حيث يتمكن هذا الشعب المسكين من الاستمتاع بحياته، بعد ان تعب من الوعود التي لم تأت بتيار كهربائي او تبني دوراً للعوائل المنشطرة دون انشطار ، والتي صارت تنام في بيوتها متداخلة افقياً وعمودياً، خصوصاً تلك العوائل التي لا تمتلك سطحاً تهرب اليه من حر تموز اللاهب ولا مكاناً يقيها برد شباط القارس.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان