عدنان الفضلي
الناصرية تلكم المدينة السومرية الموغلة في عمق التاريخ ، والحاملة لكل البدايات الحضارية ، ابتداء من الحرف الأول مرورا بأول ترنيمة موسيقية انطلقت من قيثارة اور الذهبية وانتهاء بأول نصر سجله العرب على الأقوام الفارسية الغازية. هذه المدينة التي تعيش حالة عناق مستديم مع الفرات الخالد الذي يمنحها قداسة المدن المليئة بطقوس العشق والأحلام الوردية التي يتوارثها أبناؤها جيلا بعد آخر. في هذه المدينة، وفي مكان يطل اليوم على ساحة ينتصب بها تمثال الشاعر والمجاهد الكبير (محمد سعيد الحبوبي) ولد الأديب المؤرخ شاكر الغرباوي رحمه الله، كان ذلك عام 1923 ، يوم كانت الناصرية مدينة صغيرة يسكنها أناس لهم طعم القصب ورائحة الطين وتحتوي دواخلهم زقزقة الحديث وأحلام البراءة والطيبة.
هنالك بدا شاكر الغرباوي خطواته الأولى في طريق الحياة. وهناك بدأت حلقات تلقيه العلم والمعرفة .
يومها انضم الى تجمعات الأطفال الذين كانوا يدرسون القران الكريم في (الكتاتيب) حيث تلقى تلك الدروس على يد امرأة تدعى (الملاية أم فاضل) جعلته يختم القران ثلاث مرات. بعدها دخل التعليم الابتدائي عبر بوابة مدرسة (الشعبة) والتي سميت فيما بعد (الشرقية) انتقل بعدها الى المدرسة المركزية، تلك المدرسة التي أنجبت العديد من الأدباء والفنانين والسياسيين الكبار أما تعليمه الثانوي فقد تلقاه في ثانوية الناصرية التي شهدت أول نتاجاته الأدبية حين نشر مادة في إحدى الصحف البصرية عام 1935 ، وفي بداية أربعينيات القرن المنصرم تخرج من كلية (الحقوق) التي دخلها بعد إكماله دراسته الثانوية .
مارس الغرباوي مهنة المحاماة في مدينته مدة سنة او اكثر بقليل، ولكنه لم يكن يستهويه شيء أكثر من الادب والتاريخ، لذلك اتجه الى عالم الصحافة عبر إصداره مجلة (البطحاء) عام 1946، وفي تلك المجلة حقق الغرباوي الكثير من طموحاته الأدبية والتاريخية، واستطاع وعبر ذلك الإصدار الشفاف – استقطاب العديد من الكتاب والمفكرين العراقيين الكبار أمثال الدكتور علي جواد الطاهر والدكتور محمد مهدي البصير والدكتورة عاتكه الخزرجي واسماء اخر كانت لهم بصمة واضحة في الأدب العراقي والعربي. وبعد صدور العدد السادس عشر من تلك المجلة افتعل البعض ظروفا غير مقنعة أدت الى إغلاقها وتوقف صدورها.
لكن الغرباوي لم يتوقف عن الكتابة، ولم يتخل عن قلمه، ولاعن طموحات تأسيس مجتمع حضري مثقف، وبدا بخطوات جديدة نحو تأسيس بعض الكيانات التي كان يبتغي منها خلق أجيال نافعة ومهمة في المجتمع العراقي، حيث قام بفتح مدرسة ثانوية أهلية على حسابه الخاص ثم قام بتأسيس أول غرفة للمحامين في مدينة الناصرية التي كان يعشقها عشقا أسطوريا، ولا يشعر بغير همومها وهموم وطنه، حتى انه طوال سنين حياته لم يغادرها باتجاه مدينة أخرى – إلا في حالات نادرة تتعلق بعمله الإداري. كان الغرباوي يحمل انتماء غير طبيعي لهذه المدينة ، لذلك فقد سعى الى أن يجعل منها منبرا ثقافيا وعلميا . فهو اول من طالب ببناء جامعة في الناصرية ، كان ذلك في بداية السبعينيات من القرن الماضي ، يومها قدم العديد من المناشدات عبر كتب و( مضبطات ) موقعة ومؤيدة من قبل أعيان وأبناء المدينة حتى تحقق له ذلك الحلم ورأى بأم عينيه أول كلية تم تأسيسها في الناصرية. كما انه أول من طالب وناشد بان تمتلك المحافظة مطبعة وصحيفة، على اعتبار ان مدينة الناصرية مدينة منتجة للأدب، وتمتلك رصيدا إبداعيا كبيرا، جاء ت من أقلام تمتد جذورها بعيدا باتجاه سومرية الحقيقة والخيال والأساطير المتوارثة.





