علي علي
مامن أحد منا نسي يوما ماكان فعل أزلام نظام البعث بالعراقيين بشرائحهم كافة. إذ لم يسلم من سياسات قمعهم المثقف والطالب والعامل والفلاح وربة البيت وحتى الطفل. وكم دعت أم ربها، وهز أب (شبابيچ) آل البيت طالبا شفاعتهم عند الله للخلاص من رأس ذاك النظام الدموي، والإبقاء على أولادهم في مأمن من شرره المتطاير، وشروره التي لاتبقي ولاتذر. وكم حمدنا الله وشكرناه في 9 نيسان عام 2003 يوم تحقق الأمل ولبي الدعاء وزال الشر وسقط الصنم، وسقطت معه الأقنعة التي كانت تدعي الوطنية وتتصنع حبها للعراق.
إذن هي الحرية دخلت بلدنا في ذاك العام، دخولا لم يكن بمخيلة أحدنا انه سيكون بهذه السرعة والكيفية. وكما للأمر إيجابيات كانت له سلبيات رافقته بقصد مدروس من أشخاص ومنظمات، كانت لها أصول من ذاك النظام الذي خلنا أننا ودعناه عشية 9 نيسان 2003 وأخرى مدفوعة من جهات خارجية، إقليمية، كان للسعودية قصب السبق فيها. وتغيرت الصورة حينها عن ماهية التحرير ولذة الاستمتاع بطعمه، لاسيما وقد شابه الاحتلال بكثير من الشوائب، صفقت له السعودية ودول أخريات وغذته بما يزيد الطين بلة، ويزيد النار إضراما واتقادا. وكانت الرؤوس المحشوة حقدا وغلا خير سلاح لها، تدسه بين الحين والآخر، وتحت ذريعة وأخرى، فكانت تحشد ماتمكنت من الأجساد العفنة المغسولة أدمغتها، لتنفيذ أجنداتها في تفجير كل مايمت بصلة الى كلمة العراق، فالشارع العراقي كان هدفها، والمواطن العراقي كان مقصدها، والمنشآت العراقية كانت غايتها، وبالتالي تصب كل هذه المعطيات في الهدف الأكبر وهو إلغاء دور العراق كبلد وشعب في المنطقة بل والعالم كذلك، وكأنها بهذا تكمل مابدأه المقبور صدام في سياسته منذ توليه الحكم.
وكنتيجة حتمية ظهر شخوص تلبسوا بدور (أبو رغال) وقاموا بكل ماكان يقوم به من خسة الخيانة ودناءة العمالة، وما أكثرهم في ساحتنا العراقية، اولئك الذين يتحيَّنون الفرص كضباع مسعورة. لإشعال فتيل أي حرب صغيرة أو كبيرة، لايذهب ضحيتها إلا مساكين الشعب، فكان بعضهم اليد العاملة على مخططاتهم داخل العراق، فضلا عن الوافدين ممن تعبئهم الوهابية السعودية وتفخخهم السياسات الطائفية وتبعثهم الى العراق.
مالفت انتباهي لهؤلاء، هو تقرير صحفي صدر عن وزارة العدل أمس السبت، بين فيه بالتفصيل أعداد سجناء غير عراقيين في السجون العراقية، كانت السلطات قد ألقت القبض عليهم بين متلبس بالجرم المشهود، ومدان بالأدلة والبراهين، ومفخخ فشل في إداء مهمته، وقطعا راح ضحية عملياتهم عراقيون أبرياء، او منتسبون الى قوات الجيش او الشرطة. وقد ذكر التقرير أن خمسين سجينا من جنسيات عربية وأجنبية في السجون العراقية صادرة بحقهم أحكام الإعدام، بينهم سعوديون مشمولون بتلك الأحكام بعد ان أدينوا بتهم تتعلق بالإرهاب.
هؤلاء الإرهابيون يقبعون الآن بسجون خمس نجوم..! مبردة.. مدفأة.. منورة بإنارة مستمرة (ماترمش) فيما يرزح أبناء ضحاياهم تحت ظلام دامس في بغداد والمحافظات، لانقطاع التيار الكهربائي على مساكنهم. كذلك هم يصلهم الفطور والغداء والعشاء، بأصناف (درجة أولى) فيما يبيت أيتام وأرامل عراقيون (بلا عشا).
وما يثير الدهشة ان السبب في الإبقاء على هؤلاء بهذا الترف والـ (دلال) هو عدم شمولهم باتفاقية تبادل السجناء بين العراق والجانب السعودي التي عقدت في السعودية. فهل يصح هذا ان يتنعم المجرم بسجنه وهو الآتي الى بلدنا لقتلنا وإثارة الرعب في نفوس أبنائنا، في الوقت الذي يعاني فيه أبناء البلد من شظف العيش وعسر الحال.؟ وهل ننتظر إفلاته من السجن بطريقة او بأخرى، ليمارس القتل والدمار بحقنا ثانية؟





