كتاب الحقيقة

العدالة

عبد المنعم الاعسم

 
لا أحد يجيد تبرير الجريمة اكثر من السياسي. انه يقول لك، قبل ان تدين المجرم إذهب الى الاسباب، وعندما تأخذ بنصيحته ستكون مضطرا الى القبول باطلاق القاتل، وقد لا تعترض على تكريمه، لانه ساعدنا على بحث الاسباب التي تقف وراء فعلته الشنعاء.
بل اننا حيال سياسي يفرق بين قاتل وقاتل: هذا مضطر للقتل، فهو بريء، وذاك مخلوق للقتل، فهو مذنب. 
ليس ثمة دم بريء أغلى من دم بريء آخر، الضحية ضحية، الى اية فصيلة دم ينتمي.. وليس ثمة حياة انسان مسالم اهم من حياة انسان مسالم آخر، وفي الكتب السماوية لا فرق بين انسان وآخر حين يتعلق بحقوق العيش الكريم الآمن، وكذلك في المواثيق والعهود الدولية والمدونات الحقوقية الانسانية.
الجريمة بحق المدنيين واختطافهم واحدة، بصرف النظر عن الجنسية التي يحملون، والمكان الذي يقعون فيه، والقانون لا يفرق بين الاجناس، مجرمين كانوا ام ضحايا، والقاعدة الامنية، والاخلاقية، تفيد بان سكوتك على جريمة مروعة تحدث على بعد الف كيلو متر قد يبرر السكوت على جريمة بحق جارك فيما لا تفصل بينكما سوى تيغة واحدة. 
ومن زاوية معينة، يبدو ان الخليقة تغرق في سلسلة لا نهائية من الجرائم، منذ اغتيال قابيل لاخيه هابيل، حتى ان احد المؤرخين الرومان بالغ في افتراض العدالة حين اقترح تشكيل محاكم يديرها الضحايا انفسهم، لكن نلسون مانديلا يقترب من جوهر القضية حين يؤكد ان للجريمة صانعين من مستويات مختلفة، وثمة فاعلون يليهم الساكتون على الفعل الاجرامي ثم يأتي دور اولئك الذين يختزلون الجريمة الى ورقة ربح سياسي. 
في جرائم الفعل المخطط له تتداخل المعايير الجنائية بالمعايير الانسانية، لكن اخطر المعايير التي تهدد قيم العدالة هي التي تجد مبررات لارتكاب الجريمة، مثل ان يقال ان بعض الانتحاريين ارتكبوا فعلتهم بتفجير شارع مزدحم بالمدنيين تحت شعور الاستياء من ممارسات القوات الامنية او سياسات الدولة، فالجريمة الشنيعة هنا تتدثر بالتبرير الشنيع، ليكون صاحب التبرير شريكا في الجريمة، من اي موقع كان. 
النتيجة، ان ثمة من يستغل الانواء القيمية المضطربة ليدس فيها قيما تشيع الاضطراب واللاعدالة معا.
“لا يدنَس البحر بفم الكلب”. 
مثل كردي    

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان