علي علي
اليوم سأتصفح شيئا من الماضي، من دون أن أوغل فيه أكثر من بضعة أشهر، وتحديدا شهر حزيران من العام المنصرم. يوم تبادل رئيس الوزراء نوري المالكي ورئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني الزيارة بين أربيل وبغداد. كلنا يذكر كيف كان لتلك الزيارتين أثر إيجابي، أتت نتائجه بتقدم ملحوظ في سير العملية السياسية واجتماعات مجلس النواب ومجلس الوزراء وباقي اجتماعات الرئاسات، وهذا قطعا ناتج عن كون العراق بمحافظاته وإقليمه جسدا واحدا، إذا أصاب جزءا منه ضرر (تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى). ولم تكن الزيارتان وليدة حالة طارئة، اوإسقاط فرض اودرء شر اومحاباة لجانب معين. فالتزاور من خصالنا التي لازمتنا في مجتمعنا العراقي منذ القدم بين الأقارب والمعارف والجيران، وهي خصلة لها مردودات جمة تنعكس إيجابا على حياتنا الاجتماعية. فلطالما كانت وراء زياراتنا أسباب ودواعٍ أبعد من كونها زيارة توادد اورد واجب اوعيادة مريض، إذ قد تكون لحل مشكلة او تسوية خلاف. ولنا في رسول الله (ص) أسوة حسنة، فقصته مع جاره اليهودي معروفة، حين عاده في بيته يتفقده بعد ان افتقده، على الرغم من أن اليهودي كان يلاقي النبي (ص) صباح كل يوم بما لايليق بمنزلته. وكلنا يذكر كيف ردمت الزيارتان الهوة العميقة بين الإقليم والمركز، ورأبت الصدع الذي ماكان المفروض ان يصيب بناءً متراصا ونسيجا فسيفسائيا كالنسيج العراقي. وهو أمر مؤسف ان يمتد الفاصل الزمني بين زيارة وأخرى ليصل الى مدى هو أقرب الى القطيعة منه الى التواصل، لاسيما ان الحكومة المركزية هي الرحم الأم لإقليم كردستان العراق وللحكومات المحلية في باقي المحافظات، ومؤكد ان الرجوع الى أحضان الأم أكثر أمنا وأمانا لمن يروم العيش بسلام في وطن أحد أسمائه (دار السلام). هي جفوة ولدت حينها أفعالا ماكان لها ان تنشأ، منها تحشيد الـ (بيشمرگة) على حدود الإقليم قبل بضعة أشهر، كذلك التفرد في قرارات كان حريا بحكومة الاقليم الرجوع بها الى المركز، والتي مازال قادة الإقليم حتى اليوم يتمسكون ببعضها. وأظن ان النظرة الى الحدود بين محافظات الإقليم ومايحدها من الجنوب نظرة خاطئة، إذ هي في حقيقة الأمر حدود إدارية وليست حدودا تاريخية او سياسية او ديموغرافية، فقد فاتهم ان اللحمة بين العرب والأكراد هي السلاح الوحيد والأقوى لمجابهة قوى خارجية او مناحرات داخلية بين ساسة البلد، لو عصفت رياحها أحرقت يابس الإقليم مع أخضر المركز على حد سواء.
فياحبذا لو تكررت تلك الزيارات بين ساستنا، لاسيما المتباعدة قلوبهم عن بعضها، لتتقارب وتقارب معها وجهات النظر والآراء، وبالتالي تتقارب المواقف، كي ينعم الجميع من جبال الوطن الى أهواره وصحاريه بسلم وسلام وطمأنينة ووئام.





