علي علي
الحاضن -كما تعلمنا في درس الاحياء- هو أهم محطة في دورة حياة الكائنات الحية، حيث يمثل الحاضن الرحم البيئي -بعد رحم الأم- الذي تنشأ فيه الكائنات، مستمدة منه عناصر عيشها ووجودها وديمومتها، ثم تكاثرها لتنشئ بدورها كائنات أخرى من الفصيلة ذاتها، تكرر ذات الدورة في الطبيعة. كذلك تعلمنا ان بانعدام الحاضن يصعب على تلك الكائنات الاستمرار بأداء فعالياتها الحياتية، فتترك -مرغمة- هذه الحياة وتنفق إن كانت حيوانا، او ترحل الى عالم الأموات كما هو في جنسنا الآدمي. وبذا يكون أٌقصر الطرق للقضاء على آدمي في بادئ نشأته، وقطع السبل أمام اشتداد عوده هو القضاء على حاضنه، او حواضنه.
ماذكرني بدرس الأحياء هذا، هو تكرار عبارة (تجفيف منابع الإرهاب) على مسامعنا، والتأكيد المستمر عليها في أغلب اجتماعات الساسة المسؤولين في الساحة العراقية، ولاسيما حين يتحدثون عن الجانب الأمني فيها. ويأتي هذا عادة بعد هجوم ينفذه (خريجو) تلك الحاضنات، بأساليب تأخذ بعض الأحيان وجها جديدا، و (موضة) حديثة وفق صيحات لم تكن مطروقة من قبل، جاء بها (الحاضنون). منها على سبيل المثال؛ تفخيخ جثة ضحية تم قتلها مسبقا، لإيقاع خسائر إضافية حين العثور عليها. او نصب عبوة في جنازة ميت، وغيرها من بنات أفكار الحاضنين.
ومن غير المعقول ان يكون الحاضن منفردا بنشاطاته وفعالياته، مالم تكن هناك (أمهات حاضنات) -إن صحت التسمية- تقف خلف ظهره، توفر له الدعم والإسناد، وتتكفل بتهيئة الاستعدادات المادية والبشرية المطلوبة في التخطيط والتمويل والتنفيذ. وهذا ماتكشفه التحقيقات التي تجري مع المتورطين بعمليات إرهابية، كان قد تم القبض عليهم ولكن! بعد (خراب البصرة). والغريب في الأمر.. أنهم يُعرضون على الملأ في وسائل الإعلام على اختلاف مصادرها، ولطالما تمت الإشارة الى أسماء الشخصيات والجهات التي لها يد في العملية الإرهابية، بشكل مباشر او غير مباشر، ولكن! لايستشف المواطن من الجهات المعنية إي إجراء بحق تلك الجهات او الشخصيات، يدل على الحرص الصادق في (تجفيف منابع الإرهاب).
ومن المسلم به ان الإنسان السوي والمسالم -حصرا- لايجرؤ على حيازة او حمل محذور او محظور من الأسلحة، يتعرض الى المساءلة والعقاب من جراء حمله، لاسيما نحن العراقيون التواقون لروح الألفة والتوادد. كذلك لايعقل ان يصنِّع أحدنا في بيته عبوات او قنابل، مالم يكن مرتبطا بجهات و (أمهات حواضن) تمده بمواد أولية وأدوات تسهم في صنيعته تلك.
فهل جهاتنا المعنية تتعقب بصدق ومهنية وحيادية من دون محسوبية او (محاباة) باحثة عن هذه الـ (أمهات)؟ وهل تتقصى بكل ما لديها من معلومات استخبارية وأمنية، عن كل ما من شأنه تسهيل مهمة القبض على كل من له يد من قريب او بعيد، بغية الوصول الى الجناة الحقيقيين والـ (صماخات) الكبيرة كائنا من كان! للحيلولة دون استمرار أعمال العنف، وقبر الحاضن ووأد المحضون لحظة ولادته في آن معا، وتطهير الشارع العراقي من دنسهما؟.





