كتاب الحقيقة

كفى لافتات للموت نريد لافتات الاحياء

كريم السيد

قبل أيام كنت اسير بأحد الأحياء البغدادية العريقة والتي تدخل ضمن مسمى (الأحياء الراقية) لفت إنتباهي على دكة باب احدى الدور لوحة تعريفية كتب عليها (دار المحامي فلان الفلاني) كما وتقع اسفلها لوحة تعريفية أخرى تعرف بالحي رقم المحلة والزقاق والدار.

واصلت المسير بينما تواصلت معه تساؤلاتي عن انقراض مثل هذه الظاهرة التي كانت مشاعة سابقا في معظم مدننا العراقية بينما نجدها قد انقرضت بعد ان كانت الأزقة مليئة بتلك اللوحات وبيوت المختصين والكفاءات في البلاد. تساءلت وانا أعي تماما ان الاجابة سوف لن تكون بلا حسرة وغصّة أخرى من غصات الوطن التي لا تنتهي.

ربما كان تدهور الوضع الأمني في البلاد وهجرة العقول والكفاءات العراقية في عملية مدروسة لجعل هذا الوطن غابة للضواري والكواسر المتوحشة التي التبست الدين عباءة لها لقتل العباد ودمار البلاد. ربما كان هذا السبب المباشر وراء اختفاء التعريف بالبيوت والدور, هذا الوضع صنع فوبيا اجتماعية جعلت الكثير يخشون الافصاح عن أماكن عملهم ومسكنهم خصوصا تلك الأيام التي كان الانتماء الى أي وظيفة حكومية (بنظر البعض) جريمة لا تغتفر, فكان ضحية هذا الفكر ان يقتل الشرطي والجندي والقاضي والطبيب والمهندس وو.

ليس هذا فحسب, بل ان مجرد التساؤل عن دار أحدهم بات شبهة توجب القلق والريبة للسائل تظهر مليا على ملامح المسؤول, اذ قد يكون هذا السائل واحدا من أولائك القتلة الباحثين عن كل عقل وكفاءة عراقية مستنيرة للتخلص منه, والمسؤول هنا محق في غرابته وقلقه اذ ان افعالا مثل هؤلاء غالبا ما تجد منافذها وتصطاد ضحايا بواسطة معلومات من فاعل خير ليس إلا. مرت علينا أيام كنا فيها نخاف من اسمائنا ووظائفنا ووجودنا هنا في العراق, أتمنى حقا ان يعود الأمن والأمان لنرى القاضي يضع فيها اسمه على باب داره وكله فخر وزهو, نتمنى ان تكثر لافتات الأحياء على البيوت وتختفي لافتات الاموات على الجدران. نتمنى الكثير لكن الامنية وحدها لا تكفي.  

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان