علي علي
على صغر أعمارنا وغضاضة عودنا وقلة حيلتنا، كنا نبتكر الأساليب والطرائق في لعبتنا المفضلة قبل عقود، هي لعبة الـ (ختيلان). حيث كان الشاطر فينا من يبتدع كل جديد وغريب و (غير مطروق) في ساحة طفولتنا، للتغلب على أصحابه والفوز عليهم بالإفلات منهم، لالشيء يذكر إلا لمجرد الإحساس بالفوز.
وما رجوعي بذاكرتي كل هذي السنين إلا لما يحدث اليوم بما يشبه البارحة الى حد كبير، مع فارق العمر والمسؤولية والنتائج. فقبل أكثر من سنة علت الصيحات في بريطانيا التي تبعد عن العراق آلاف الأميال، والسبب هو تورط تاجر بريطاني في صفقة الأجهزة الكاشفة للمتفجرات (السونار) والتي تبين جليا وبإثباتات جهات مهنية، زيفها وعدم كفاءتها في المهمة المتوخاة منها، ونال على أثرها ذاك التاجر عقوبة عشر سنين سجن على فعلته تلك. وعلى الرغم من ذلك لم تتخذ الجهات المسؤولة في العراق إجراءات على محمل الجد حيال المتورطين في هذه الصفقة، بل كانت كرة الاتهامات تتقاذف من ساحة هذا السياسي الى ساحة الآخر، الذي بدوره لايتماهل في تحويلها بضربة (أسطة) الى ساحة ثالث هو الآخر لايقل عن مهارة (ميسي) في صد الكرات وتحويلها الى هجومية في هدف سياسي رابع، وهكذا تتوالى سلسلة الأشخاص من المسؤولين في مراكز عليا في الدولة، وهم في حقيقة الأمر ليسوا (متهمون) بل (متخمون) في ريع تلك الصفقة وأرباحها، ان لم يكونوا قد عدوا العدة لصفقات جديدة بزوايا أخرى من زوايا البلاد، و (هبرات) كبرى من ثروات العباد، كأن تكون صفقة سكر تالف، او حليب فاسد، فضلا عن بسكويت الأطفال المنتهي الصلاحية، وصفقة السلاح الروسي، والقائمة تطول في العد والكم والنوع والكيفية والعائدية في السرقات والاختلاسات.
أما آخر صيحة من صيحات الفسادات التي يدور في فلكها هؤلاء السراق، هي (سالفة) كاميرات المراقبة والمناطيد الأمنية التي نصبت في أطراف العاصمة بغداد، والتي تضمن -كما يفترض- الكشف المبكر لتحركات المجاميع الإرهابية، وبالتالي تقليص عمليات العنف والحد من وقوع المزيد من ضحايا أبرياء، وفقا للغرض الذي أنشئت من أجله. إلا أنها خيبت الظنون أمام فنون وألاعيب تجار الحروب، الذين صارت لهم خبرة وملكة في الغش واتقانه، والزيف وتمريره.
إذ وفق تصريح لعضو اللجنة الأمنية في مجلس محافظة بغداد غالب الزاملي أمس الأربعاء، أن “الحكومة المحلية في بغداد دعمت ماديا نصب مناطيد أمنية وتعميم كاميرات المراقبة، لكشف الحالات الإرهابية في بغداد، لكن بعد بدء عملها، تبين أنها شبه متوقفة”. والدليل على هذا الكلام ان التفجيرات مازالت على قدم وساق، ولم تقدم تلك الكاميرات والمناطيد شيئا يذكر أسهم في استتباب الأمن، او في القبض على عناصر إرهابية، ومازال الدم العراقي ينزف من دون توقف في شوارع بغداد وأزقتها بين الحين والآخر.
إذن هي ذاتها لعبة الـ (ختيلان) التي كنا نلعبها في صغرنا، إلا أن أبطالها كبار وذوو حيلة ودهاء، ولهم مايسندهم على أرض الملعب، فيلعبون كما شاءوا مع القانون والرقابة بتخفٍ، فيتوارون عن الأنظار كالأشباح، في وقت تسيل دماء العراقيين أمام أنظار أجهزة الدولة، وهم في صفقاتهم ينعمون.
aliali6212g@gmail.com





