كتاب الحقيقة

على بعد خطى من الموت

كريم السيد

مساء الثلاثاء الماضي, كنت قد عزمت على أداء واجب لأحد الأقارب في مدينة الصدر, فتوجهت وبرفقتي احد الاصدقاء, عند العودة وطوال الطريق قام صاحبي وهو صاحب السيارة ايضا بأن يجعل طريقنا محفوفا بوجعنا المصقل على هيئة أغانٍ وقصائد وآهات, فكان هاتف صاحبي يتحول من مقطوعة حزن لداخل حسن الى عبادي العماري الى عبد الزهرة مناتي الى ياس خضر. عند وصولنا الى التقاطع المقابل لمحطة وقود (الداخل) وبعد دقائق انتظار المسير وثوان معدودة يحصل ما لم يخطر ببال, إنفجار رهيب يهز المكان وتحديدا المكان الذي كنا نقف فيه بأمتار قليلة!!.

في هذه الاثناء كان التقاطع قد دبّ بالحركة العشوائية بعد تعالي الاصوات والدخان هنا وهناك, كان الجميع يهرب من مشهد مسرحية بائسة ابطالها حقيقيون سواء من الضحايا أو القتلة. كان الوضع لا يحتمل قول كلمة أو مزيدا من الوقوف والتفكير لما تصنع, اذ فجائية الحدث لم تترك لنا وقتا يكفي لفعل شيء, هربنا بسيارتنا بعيدا عن الحدث فيما كان داخل حسن يصرخ (يمه يا يمه يا يمه) حتى لكأنها كانت ترتيلة الموت أو قداس آخر لحظات الحياة.

تخيلوا وبعد كل ما حدث, صمتنا لبرهة, ثم ضحكنا من أعماق القلب وكأن شيئا لم يكن, ربما ضحكنا على أنفسنا الخائفة, أو هي فرحة النجاة من موت أكيد, او ربما كانت ضحكة هستيرية لا تعني أكثر من هروب من هول المشهد, ولعلنا ضحكنا لنثبت أننا نعيش بأعظم مسخرة عرفها الوجود, ان تموت قتلا بلا ذنب ولا مناسبة ولا جرم.

لا أدري هل أفرح على عمر جديد أم احزن لتلك الضحايا التي التحقت بربها في ذلك المساء؟! لا أدري هل ألعن هذا القدر أم أطمئن لحكم الله وقضائه فيما نحن فيه؟! خصوصا ان الحادثة جاءت بعد يوم واحد على عامي الجديد, ولهذا لم يجل بخاطري غير كلمات لمحمود درويش:

فيا موت انتظرني ريثما اُنهي تدابير الجنازة

في الربيع الهش حيث ولدت..

حيث سأمنع الخطباء من تكرار ما قالوا عن البلد الحزين!.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان