حازم لعيبي
كل من عاشَ تحت سقف الدكتاتورية و خَبِرَ ذلها و هَوانها لا يرحم من يترحم عليها أبداً ، و لا يقبل بمقارنات غير مستقيمة و منحنية و إلتوائية (إن صح هذا التعبير) بين ظلمِ و جورِ و تهميشِ مافيا الحزب الواحد و من ثم عصابة العشيرة و الحزب و بين محاولة تأسيس نظام حكم يعتمد الانتخابات كوسيلة مشروعة للوصول الى مقاعد الحكومة و البرلمان و المجالس و النقابات . لا يصح نفس المقياس لتسوية معادلة حرية التعبير و السفر تحديداً و في الكفة الأخرى زنازين الوطن و حرمان متعة السفر و ثقافته و تكميم الأفواه .
و لمن يفترض تساوي طرفي المعادلة و يفضل عيش حياة مغلقة بلا أبواب و كتم أنفاس و أصوات ، فهذا خياره الذي لا نحترمه . و لنقيضه النوعي صوت عال و جناحا طير حر يحلق بهما في الأعالي . و كما قيل ان رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة . و ها نحن ذا نرى إخوة و أصدقاء يحملون حقائب السفر و يطيرون و يحطون من بلد الى آخر ، و نسمع و نقرأ في الصحافة و من على شاشات التلفزيون و حتى في الأماكن العامة تلك الأصوات النبيلة تتعالى و تعبر عن ما بداخلها و تقدم لمشاريع الدولة الحديثة و تحلم في وطن الحريات و الكرامات و العدالة الاجتماعية .
ربما سيعترض هذا تساؤل البعض : أليس في الصورة أعلاه غلبة لروح الأمل و التفاؤل ؟ و الواقع الراهن تشوبه قلقلة غير خلّاقة و نفوس منحرفة و ولاءات تثير الريبة ، و كم من القضايا العصية على الحل مازالت موضوعة على طاولة الساسة ، و غيرها من الإشكالات الاقصادية و الاجتماعية و النفسية و الدينية ؟ نعم ، لكن دائماً للصورة وجه آخر و إلى من يهمه الوطن و المواطن و حياتهما على الأقل عليه تقليب الصورة و عرضها و أثارتها حتى إن كانت تلك نقطة الضوء في نهاية النفق ، و لِم لا تستثمر هذه الفرصة الحقيقية و تنمى بذرتها في ارض الوطن علّها تؤتي أكلها يوماً ما بدلاً من تشتيت القضية و التركيز على الماضي و البكاء عليه و على من لا يستحق الدمعة أبداً.
قبل سنوات و بعد ان اجتزت امتحان اللغة الإنكليزية و التاريخ للحصول على الجنسية الأمريكية ، قدمت لي موظفة الهجرة الشكر و المباركة على توفيقي بذلك و من ثم أشارت الى أن موعد الاحتفال سيشتمل كل من حصل على الجنسية في يوم خاص ، حينها قالت لي تحديداً :انك قادر بعد ان تصدر جواز السفر في الترحال و السفر الى الأماكن التي تحب ، و كذلك لك حرية الانتخاب حالك حال كل المواطنين الأمريكيين و بالتأكيد أنها أشّرَت ذلك لكل من حُرِمَ في بلده من السفر و حرية التعبير و وصل الى هذا البلد بطريقة غير شرعية او لاجئاً وحصل بعد سنوات على الجنسية.
حرية السفر و حرية التصويت في الانتخابات هما ميزتان أشارت إليهما الموظفة دون سواهما ، و يبدو لي ان حرية التنقل دون شروط و موانع و حرية التصويت بلا اشتراطات و تدخلات تقع في لُب قضية المواطنة الحرة و السلوك المدني و العيش الكريم ، إنهما حقان من حقوق المواطن في ظل الأنظمة الديمقراطية او السائرة على خطاها و لهما أثرهما الفاعل في خلق مواطن بمواصفات المواطنة ، إنسان حر قادر على التمتع بزيارة مدن و الاطلاع على ثقافاتها المختلفة ، و له أيضاً القدرة على التعبير عن آرائه و معتقداته ، و يمتلك صوتاً مؤثراً في تحديد ممثليه في المجتمع ، لا سجين وطن مقيد بشروط قسرية تمنعه من الترحال و لم يعرف لون جواز سفر وطنه الأم ، و يحكمه ذلك الظالم الجائر الأبدي القابع على الأنفاس كصخرة لا تتزحزح.
للأسف الشديد جداً مازلنا نسمع من البعض ؛ان العصر العلّاني كان أحسن من يومنا هذا!!. نسمعها و يرددها البعض في سياقات مختلفة ، ان ميزتا السفر و حرية التغيير عن طريق الانتخاب اذا أراد الشعب ذلك كافية للرد على من يفضل العصر المباد “التسعه و تسعيني” على عصر إرادة التغيير من خلال حقائب السفر و صناديق الاقتراع .





