إن عملية شراء الاصوات الإنتخابية، او ما يعرف بـ (شراء الذمم ) ظاهرة اتضحت معالمها قبل فترة من عملية الاقتراع لانتخاب اعضاء مجالس المحافظات، وبانت صورتها واضحة وجلية، لا يمكن حجبها او انكارها، بل ان البعض دافع عنها وبررها واعتبرها جزءا مكملا للعملية الانتخابية، وأكد بأن الهدية يمكن ان تعبر عن نوع من الفرحة والسرور لما يحدث من جراء هذه العملية وما سوف تجلبه من خير وبركة للشعب العراقي .ان ظاهرة شراء أصوات الناخبين بهذه الطريقة العقيمة ، تعتبر ظاهرة خطيرة على مسيرة الديمقراطية في العراق والعملية السياسية برمتها، فنحن نريد ان ينشأ في هذا البلد نموذج جيد ورصين للعملية الديمقراطية والآليات التي تستخدم فيها. وأن يكون ملهم ومحفز للآخرين من دول المنطقة وشعوبها … اذ لم يتعظ المرشحون للبرلمان العراقي من النداءات والمطالبات الشعبية والدينية لعدم اللجوء للأساليب الرخيصة لشراء أصوات المنتخبين ، وكما هو ملاحظ أن أغلب المرشحين للبرلمان أصحاب نفوذ وظيفي أو مالي ،و القلة القليلة من المرشحين من متوسطي الدخل يعتمدون ويراهنون بفوزهم على طبقة غير مؤثرة من المثقفين والأقارب ، أما غالبية المرشحين من قيادات حزبية فتدعمهم أحزابهم ماليا واجتماعيا ، وتصنع لهم النشرات الجدارية التي لا يستطيع المرشح الفقير ، أو الحزب الفقير الذي ليس له دعم سلطوي ، ولا دعم مالي خارجي لعملها ، وتثقف تلك الأحزاب لجماهيرها وعشائرها ورجال مجالس إسنادها لانتخاب ممثليهم… الحقيقة ترصد بعض اراء المواطنين الذين تذمروا مما آلت اليه محاولات المرشحين في استمالتهم و شراء اصواتهم كناخبين ، مستندين على مركز المال و القوة و السلطة …
تحقيق/ سناء الحافي
في حين يستوجب على كل شخص يعيش ضمن هذه المساحات الوطنية ايجاد نمط تفكير يتناسب مع مصلحة الوطن، فثقافة الانتماء والوطنية تنبع من داخل الانسان حتى نستطيع ان نتجاوز معا هذا الموضوع المدسوس..
من الملاحظ أن أغلب المواطنين في الوسط السياسي و المجتمعي يسخرون من الطرق والوسائل الرخيصة لمثل هؤلاء المرشحين ، ولم تغرِ المرشِح في الوقت الحاضر ( كارت موبايل) تعبئة رصيد ، ولا (غيرها ) ، ولا دعوة غداء أو عشاء ، ولا سفرات جماعية مدفوعة الثمن لزيارة أضرحة أولياء الله…
آراء المواطنين…و مواقف خاضعة للحاجة !!
وقال سعدون احمد/ 43 عاما ، لـ(الحقيقة) ، ” عند خروجي من منزلي للذهاب الى مكان عملي شاهدت طوابير من الاهالي في الحي الذي اسكن فيه وهم منتظمون في طابور لتسلم 40 لتر من النفط مجانا دون ورقة استلام شهري او مبلغ وعندما اقتربت الى اصحاب الصهريج الذي يقوم بتوزيع النفط قال لي صاحب الصهريج اذهب واجلب لي الاسطوانات الفارغة لكي اقوم بتعبئتها فهذه هدية مجانية من احد الاحزاب المتنافسة وذكر اسمه الصريح…
ومن جانبها ، قالت مي نور الدين/44 عاما/ ان “المدرسة تسلمت يوم الاثنين الماضي كمية كبيرة من القرطاسية والدفاتر والحقائب المدرسية غالبيتها أجنبية المنشأ ويوجد فوق كل صندوق يضم هذه المواد ورقة صغيرة مكتوب عليها هدية من الحزب الفلاني وطبعا هذا مقابل شراء الناخبين..
أما في المناطق ذات الاغلبية المسيحية، ذكر الأهالي أن تيارات سياسية غير مسيحية قامت بتوزيع مواد غذائية على الاهالي مع مبالغ مالية…
وقال متي جرجيس / 56عاما/ ان ” الكنائس استلمت من قبل احد الاحزاب مواد غذائية طلبوا من الكنائس توزيعها على اهالي المنطقة ومع كل صندوق يضم مواد مكونة من مادة الطحين والرز والسكر والشاي وهناك مبالغ إضافية أخرى..
واضاف “نحن بدورنا سلمنا المواد الغذائية الى الاهالي في الحي ونعلم ايضا ماهو سر هذا التوزيع في كل انتخاب سواء انتخاب المجالس او البرلمان ولكن لا نستطيع رفضه لاسباب أمنية خوفا على اهالي المنطقة…
وقالت سميرة خديدا / 35 عاما ” هناك منظمات من الاحزاب الكردية بدأت منذ اكثر من 5 ايام بتوزيع المواد الغذائية والمدافئ الكهربائية والطباخات الغازية والبطانيات على أهالي الناحية بحجة انها مكرمة والاسباب واضحة تماما من الغاية لهذا التوزيع الذي يفتقده اهالي الناحية في كل الازمات الأمنية وغيرها ألا في أوقات الانتخابات…
ويرى الدكتور ايوب حسن / 52عاما/ في محاولات شراء اصوات الناخبين مقابل اغراءات يحتاجها المواطن وسيلة يتبعها الفاشلون للحصول على ما لا يستحقون والشعب العراقي هو اكبر من ان تنطلي عليه هذه الألاعيب..
وقال”أعتقد ان الشعب أدرك اهمية الانتخابات واثرها في تغيير الخارطة السياسية ومستقبل البلاد السياسي ولابد من ان يفكر عميقا في الاختيار…
السياسي المثقف يخوض معترك السياسة لما يحمله من عمق الثقافة !!
و يصرّح الكاتب رفعت نافع الكناني في حديثه لـ ( الحقيقة ) : (ان هذه الظاهرة لها تاثير فعال على سير العملية الانتخابية وما ينتج عنها من شراء للاصوات الانتخابية وبالجملة وخاصة في مناطق القرى والارياف ذات النفوذ العشائري ومناطق الفقر المنتشرة في عموم العراق، وما يمكن لها من قلب الوقائع والاخلال بقواعد اللعبة الانتخابية . اذن كلما كانت عملية الانتخابات تشوبها تشوهات وسلبيات كبيرة ظاهرة للعيان وبطريقة صارخة، كلما كانت تلك العملية الانتخابية فاشلة، ويمكن ان يعبر عنها ” الديمقراطية الفاشلة ” لان الطريقة التي افضت لذلك الموقف، هو سيطرة النفوذ والمال …!! والتي يمكن القول عنها وبوضوح بأن بناء الدولة الديمقراطية على هذا الاساس قد يتلاشى تدريجيا بسبب سطوة المال والضغط والنفوذ .
ان السياسة تحتاج الى الصدق والثقافة والاخلاق، وأن السياسي المثقف هو الذي يتقدم ويخوض معترك السياسة لما يحمله من عمق الثقافة، وما يكتنزه من عواطف انسانية شفافة، وما لحرية التفكير من قدسية في وجدانه، وينظر للعملية السياسية على انها عملية نشاط سياسي متبادل تؤدي الى احداث تغيرات عديدة نتيجة الصراع السلمي والذي ينتج في النهاية فرض المفاهيم التي يتصورها بالوسائل السلمية والاقناع . اذن من مسؤوليته تنمية الوعي الديمقراطي للجماهير وما لهذه الثقافة من اثر عميق، بحيث يرى الناس فيها الامور اكثر وضوحا، وتصبح لهم الرغبة في استثمار تلك الامكانية لتطوير قدراتهم في معرفة آليات الديمقراطية التي تكون الانتخابات هي احدى ادواتها…)
رأي الدين: الرشى الانتخابية حرام!!
اذ حذرت المرجعية الدينية العليا في العراق مؤخراً، المرشحين بشراء اصوات الناخبين بوسائل غير مشروعة عبر المواد غذائية ووعود بتعيينات وبمقاولات لدعم حملاتهم الانتخابية.
وقال ممثلها في حديثه الينا: ان “هناك لغطاً من المرشحين يتوسدون بوسائل غير مقبولة شرعا ولا اخلاقا لكسب اصوات الناخبين ومنها تأمين خدمات معنية ووعود بتعيينات بدوائر الدولة وتوزيع بطاينات ومواد غذائية والاستعانة بمقاولين كبار لدعم حملاتهم الانتخابية مقابل منحهم مقاولات لمشاريع في الدولة وغيرها من المسائل التي اصبحت معروفة لدى المواطنين”.
وأضاف ان “الذين يقومون بالتوسل بهذه الوسائل فان ذلك يكشف على كونهم غير مؤهلين بان يؤتمنوا على هذا البلد. والمرشح الذي يستخدم هذه الوسائل ليس امينا وغير مؤهل للامانة او أن يكون قادراً على التصدي للمسؤولية وعلى الناخبين ان يكونوا واعين بان صلاحية هؤلاء للثقة ليس في محلها”.
وانتقد ممثل المرجعية الدينية زهد بعض المواطنين باصواتهم قائلا ان “بعض المواطنين زاهدين باصواتهم ويقولون بان صوتهم الواحد لايؤثر ولكن ملاحظة نقولها بان ضم صوتك الى صوت الآخرين سيكون مؤثرا ومهما فصوتك ثمين وغالي ونضرب مثلاً على ذلك فحين ما يكون هناك حجر كبير يراد ان يزحزح عن موقعه لهدف معين فشخص واحد لايؤثر ولا يستطيع ان يحركه ولكن بمجموع الاشخاص يستطيعوا ان يحركوا هذا الحجر ويصلوا الى تحقيق هدفهم وغايتهم وتحقيق مصلحة معينة”.
وأضاف “اننا قلنا بان الهدف من الانتخابات هي حركة للوصول الى الافضل واذا انضم صوتك الى الثاني والثالث …الخ وتحركتم جميعا الى الافضل فكلهم ستربحون. ولكن بعدم التحرك سيخسر الجميع. لانهم بقوا في مكانهم ولم يتحركوا للوصول الى الافضل ،فان الحركة للوصول الى الافضل تكون من خلال مشاركة الجميع ونأمل ان يتضامن الجميع للتغيير والتحرك نحو الافضل…
تدهور الاقتصاد و ثقافة الرقم !!
تقبل الكثيرين لفكرة “شراء الاصوات الانتخابية” يعكس ترديا في الاوضاع الاقتصادية للمواطنين، في ظل ارتفاع نسب الفقر والبطالة، وهو ما يرى فيه الخبراء انتشارا لما أسموه “ثقافة الرقم”
وفيما يرى هؤلاء أن التحولات المجتمعية أدت إلى “تسليع” أصوات الناخبين، ما عمل على “تزوير” إرادات الناس، من المرشحين الذين ما ان يصلوا قبة البرلمان لن يقدموا اي فائدة ترتجى لمنتخبيهم.
المشتري لا يشعر بأنه يمثل المواطن…!!
الخبير الاقتصادي حسام عايش يربط ظاهرة شراء الأصوات بظواهر اخرى، كالفساد و المحسوبية و الواسطة. ويقول “يعتقد المرشح للنيابة انه بشرائه اصوات الناخبين يعمل على شراء فرص الفوز
ويوضح عايش أن تردي الأوضاع الاقتصادية والتمثيل غير السوي ، وخصوصا من الساعين إلى زيادة الوجاهة وتحقيق المنافع الشخصية، يفاقم ظاهرة شراء الاصوات..
غير انه يرى امكانية لضبط الظاهرة السلبية في حالة رفع درجة الوعي لدى المواطنين، والتأكيد الدائم على أن “الصوت الانتخابي قيمته أكبر من قيمة المبلغ المالي المقدم له..
ويؤكد عايش أن فئة المواطنين التي تقبل على بيع أصواتها ترى أن “بيع الصوت فرصة استثنائية لرفع قيمته”، مشيرا إلى أن المشكلة الأكبر تتعلق بمشتري الصوت وليس بائعه.
ويوضح “ان المشتري لا يشعر بأنه يمثل المواطن بل ينفذ عملية تجارية لتحقيق أهداف شخصية .
ويبين عايش أن كثيرا من المواطنين يسعون لبيع أصواتهم لأنها تشكل قيمة لهم بحد ذاتها، ذلك أن غالبيتهم من الفئات المهمشة، أو ذات المداخيل المتدنية، فضلاً عن قناعتهم بأن مجلس النواب ليس له اثر ايجابي على حياتهم..
ويوضح عايش أن غياب التمثيل الحزبي والسياسي للمرشحين، يجعل من الصعب محاسبة اي منهم على برامجه وشعاراته الانتخابية، خصوصا أنهم من الأفراد غير المنظمين سياسيا، ما يجعل المواطنين يبيعون أصواتهم ليأسهم من هؤلاء المرشحين..
وببين أن المواطنين يلجأون لبيع أصواتهم، لأن كثيرا من المرشحين لا يطرحون حلولا لمشاكل الناس، ما يدفع المواطن لاستغلال المرشح نتيجة حاجته الى الناخب قبل انقطاع العلاقة بين الطرفين..
الصوت أمانة يحاسب عليه أمام الله…!!
رئيس قسم التربية وعلم النفس، الدكتور عايد الربيعي أشار إلى إنه مع اقتراب موعد الانتخابات واشتداد الحملات الانتخابية نرى الناخب قد تكونت لديه فكرة عن صفات المرشح المراد انتخابه وهذه الفئة من الناخبين قد وضعت نصب عينيها مؤهلات المرشح وأعماله وقدراته وخبراته وصفاته الشخصية من جرأة في قول الحق ومواقفه المختلفة في العمل العام وبرنامجه الانتخابي وهنا يحزم الناخب أمره على اختيار هذا المرشح أو ذاك وبأنه المرشح الذي يثق في قدراته في إيصال صوت دائرته وناخبيه تحت القبة.
وقال ان هناك قسم من المرشحين يشعرون بان فرصتهم بالنجاح تكون محدود وذلك لعدم ثقتهم بأنفسهم وضعف مؤهلاتهم وقدراتهم في العمل العام ولهذا يلجأ المرشح إلى شراء الأصوات ورشوة الناخبين بالمواد العينية والمادية والنقدية وهذا جزء من الرشوة والمحسوبية فكيف سيصدق الناس أنه سيوصل صوتهم إلى قبة البرلمان وقد وصل إليها عن طريق شراء الذمم والرشوة.
وبين الربيعي لـ ( الحقيقة ) ان شراء الاصوات جزء من الفساد المالي الذي يتبعه المرشح لتحقيق غايته لكونه يمتلك ماكينة المال والتي يستطيع من خلالها شراء اصوات ضعفاء النفوس ومن ليس لديهم قناعة في صفات ومواصفات المرشح القادر على خدمة قضايا الوطن والمواطنين. فإذا وصل المرشح بالمال والرشوة فهو ليس أمينا على إيصال صوتهم إلى البرلمان وأن يمارس مهامه في التشريع والمراقبة والمحاسبة لذلك على المواطنين إختيار المرشح الأكفأ والأقدر والأجدر على حمل أمانة المسؤولية لأن الصوت أمانة يحاسب عليه أمام الله يوم القيامة.





_1617644865.jpg)



