فرحان المرشدي
تعد وسائل الإعلام المختلفة من أهم مصادر الحصول على المعرفة والأحداث الجارية للكثيرين. دخلت البيوت وأصبحت معنا حتى في غرف النوم، إنها وسائل الاتصالات في زمن الإعلام المنفتح المعولم، حيث أصبح العالم قرية واحدة، تختصر المسافات وتتعارف الثقافات وتتداخل العادات وتتناقل السلوكيات، فقد أصبح الإعلام بمختلف وسائطه المكتوبة والمسموعة والمرئية والافتراضية من أبرز خصائص هذا العصر وسماته، وإذا كان الأغلب يقرّون بأهمية الإعلام وفوائده غير المحدودة في مجالات الحياة والأنشطة الإنسانية، ويرحبون بكل تطوير في إمكاناته المادية والمعنوية، فإن الاختلاف كبير في وجهات النظر حول وظيفة وسائل الإعلام وحدودها وتأثيراتها سلباً أو إيجاباً. ورغم أن من أخطر وسائل الإعلام هي القنوات الفضائية المدفوعة الثمن لسهولة امتلاكها، إلا أن الخطر الجديد الداهم الذي بدا يلوح في الأفق ولا يقل خطورة عن سابقه، إن لم يكن يفوقه، هو القنوات الفضائية التي تسعى إلى الإطاحة بالنظام السياسي العراقي الجديد أو التجربة الديمقراطية في العراق، وترفع شعار الوطنية وتحاول أن تبث سموم التفرقة والكراهية، من خلال تحشيد المجتمع على الكراهية في خندقين متقابلين، وفي طرفي صراع سيكون المستفيد الأول والأكبر منها الإرهاب الأعمى والمتطرف والدول الداعمة لهذه القنوات. أي مراقب لمسار اغلب تلك القنوات التي ترفع الشعار الوطني، يؤشر وبوضوح أنها تركت الجانب المشرق بعد عام 2003 وتخلت عن مسؤولية تاريخية، وشحذت كل طاقاتها وبرامجها وإمكانياتها لإثارة الفتن، وجعلت من الهجوم على نوع الحكم بعد سقوط النظام الذي كانوا ينسبون له بصورة أو بأخرى، مسلكاً ومنهجاً لكل مساحات البث الفضائي، وهذا ما نراه جلياً في قنوات عديدة، اتخذت من الهجوم على الحكم الجديد، وجعلته هدفاً رئيساً لها ومادة أساسية في تناولها لكل برامجها، وخلال الأربع وعشرين ساعة للبثّ الخاص بها.
نجدهم عندما يتم نقل خبر يستخدمون من الألفاظ والكلمات ما يثيرون به مشاعر متابعيهم، ويتلاعبون بها ويحركونها في الاتجاه الذي يريدون، ضد أو مع حدث ما أو فئة معينة في المجتمع، فهم يجيدون ذلك إن كانوا يريدون بهذا الخبر إثارة مشاعر الغضب والعنف والسخط والكراهية أو العكس، وقد يضيفون إليها بعضاً من الصور والمشاهدات وبالتالي يؤثرون على حاستي السمع والبصر ويصرفونك عن أن تمرر ما يلقى عليك إلى عقلك، لتفكر فيه بحكمة وتحليل علمي، وتأخذ المعلومات بسطحية وبوجهة نظرهم وليس برأيك الذي كونته بعد تفكير سليم وبحث دقيق، وهذا سيؤثر مع مرور الوقت على قناعاتك. ولتجنب تأثيرها وماذا علينا فعله، إذ يبدو أن هناك من قد وقع في الفخ، قررت أن أكتب عن بعض الأدوات والأساليب التي تستخدمها بعض هذه الوسائل، لتحقق بها أغراضاً بعيدة تماماً عن الأهداف الحقيقية لهذه المهنة، وتؤثر على العقول والرأي العام و بالتالي تبني بها قناعاتنا. وأكثر الناس أصبحت تعتمد على مشاعرها وتغلق عقولها عندما تستمع أو تقرأ خبراً، وتصدق وتثق تمام الثقة فيمن يقولها. هل هو وحده خلق بعقل ويفهم وأنت عليك التصديق فوراً؟! هذه من القناعات التي بنوها بداخلك هم أعلم، لماذا يكذبون؟ المذيعة كانت متأثرة وتبكي. لديهم صور وفيديوهات تثبت صحة كلامهم، أو ممن يردد بصورة مستمرة نحن العراقيون الأصلاء، وكأنّ الطرف الآخر أصبح طارئاً على العراق، وهو أحق بالعراق من غيره أو يتمثل بضحكة العاهر التي تنطلق من صرخة ضميرها، برفض ما تقوم به وكأن شيئا بداخله يقول له: أنت لست بعراقي، فيردّ بصراخ أنه عراقي بدون انتماء، واستعانته بخبراء تلفيق الأخبار والكذب والشحن الطائفي والحزبي والأساليب الرخيصة في الحوارات وشخصنة المادة المعروضة. اليوم لابد من تحديد مواصفات القنوات أو الإعلام بصورة عامة، ليكون في إحدى الجهات المعارضة البناءة أو المؤيدة للعراق الجديد، والابتعاد عن القنوات التي تخدم أعداء العراق أولاً، وتتمنى زوال شمس الحرية بعد عام 2003 من خلال إقامة حملات التوعية بعدم المتابعة لها، والتحذير من خطرها في المجتمع، ابتداء من الأسرة إلى الشارع، وكلاً حسب مساحة عمله وإمكانياته، والاهتمام بما تشاهده العائلة في الفضائيات للأطفال والشباب وقليلي الخبرة، وتوعية المجتمع من خطر هذه الأفكار القاتلة. ومن الأولويات المطلوبة:
– إنتاج مناعة إعلامية مضادة تعتمد بناء الإنسان أخلاقياً وعقائدياً، خصوصاً في الجانب الإعلامي من قبل القنوات العراقية الفعلية والتي تنهج الخط المعتدل.
– إيجاد مناهج تربوية تتماشى مع ما يتواجد من تطور إعلامي، وخصوصاً التي تدرس في المدارس الابتدائية والثانوية، حيث تعد من أقدم المناهج، وهي مازالت تعامل الطالب بنفس ذهنية القرن التاسع عشر، والتي لم تكن فيها قنوات أرضية أو تلفاز أصلاً، فالطالب اليوم يأتي بذهنية متفتحة تتغذى من مئات القنوات الفضائية يومياً، فيما تقف المدارس عاجزة عن مجاراة أو رفد الطالب بالحصانة الذهنية لانتقاء الأفضل من هذه الفضائيات.
– ضرورة إشراك منظمات المجتمع المدني الفكرية ومراكز البحوث خصوصاً في نشر ثقافة الاعتدال والتنوير والتحذير من خطورة هذه القنوات السامة، ورفد المجتمع بأفكار الحماية الذاتية من تهذيب وتشذيب وترفع عن المهاترات.
– وأخيراً علينا إن لا نتهاون في هذا الجانب فمازالت ذاكرة التاريخ تؤشر إلى أن الكثير من الحروب كانت نتاجاً من الإعلام البسيط الناتج من قصيدة أو شعر بحق طائفة ضد أخرى أو قبيلة ضد مثيلتها، وخلفت من المآسي ما خلفت، هذا في زمن لم تكن فيه الأمور بتطورها الحاضر، ولا بسلاحها الفتاك الحالي، فكيف بما سيجري لو أن الأمور سارت بنفس ما يخطط له تجار السلاح وسماسرة الحروب؟ فلك أن تتصور النتائج.









