في عدد اليوم من صحيفة ( الحقيقة ) نستضيف على مائدة الحوار شاعرة سورية و امرأة من كرم الأرض أنبتها الخالق .. وأحالها إلى واحات الشعر مثمرة بالشموخ.. شاعرة نفضت عنها غبار الركود الإنساني و الحرب في سوريا وطافت أرجاء الوطن العربي تطلب سقفا آمنا .. استطاعت أن تفرض وجودها.. وأن تثبت أن المرأة التي تؤمن بذاتها تستطيع أن تخترق المدى وتستشف ما بعد المنال.. الشاعرة التي لاذت بالممانعة والتحدي والصمود في معركة النضال السلمي من أجل الانتماء لتجسد الحلم وتلغي النظرة القاصرة من أذهان المتبلدين لتثبت أن المرأة هي الحلقة المفقودة في دورة النهوض والتغيير.. من خلال القلم و الكلمة و السلوك .. الشاعرة قمر صبري الجاسم.. شاعرة و اعلامية سورية من مواليد حمص واصول من دير الزور ، حاصلة على بكالوريس في الاقتصاد من جامعة دمشق تعمل محررة في جريدة العروبة ومذيعة في اذاعة صوت الشعب .. شاركت بالعديد من المهرجانات الشعرية على مستوى الوطن العربي ، كما شاركت بنجاح في برنامج أمير الشعراء على قناة أبو ظبي، و فازت بالعديد من الجوائز الأدبية تقديرا لمنجزها الأدبي ومثابرتها الدائمة على أرض الابداع. صدرت لها العديد من المجاميع الشعرية نذكرمنها: وريقات مبعثرة، للعاطلين عن الأمل ، نياشين على صدر قبري ، دعوة للرِّفق بالكلمات، قصص قصيدة جدا و ديمقشعرية…و على ايقاع الحلم و الأمل كان لنا معها هذا الحوار الهادئ فأهلا و سهلا بها بيننا…
حوار ـ سناء الحافي
1 -الشاعرة قمر صبري الجاسم حللتِ أهلا ووطئت سهلا في دار الحقيقة، ونستهل حوارنا معك بسؤالنا التقليدي: كيف تعرفين نفسك في سطور موجزة للقارئ العراقي؟و ما هي المشارب الأدبية التي ساهمت في بلورة خطابك الشعري منذ البداية؟
– دار والحقيقة والعراقية ..!! كيف سأستطيع التعريف بنفسي وقد أصبحت حقيبتي داري وحقيقتي وجعي والعراق ربما كان وجعه يسكن نسبة كبيرة من قصائدي وكان قلمي بفطرته يعرف طالما أن العراق يتوجع ويعاني ويُكابد سنظل على وجع وقصائدي تشهد لدرجة أن من يقرأها الآن يعتقد أنَّني كتبتها في هذه الفترة .. ولكن الكتب وتواريخها تُبصم بالعِشرة بيني وبين القلق منذ أن أصاب العراق . ما يعني أن أهم المشارب التي تساهم في بلورة خطابنا الشعري هو رؤيتنا ورؤيانا انطلاقاً مما نراه ونلمسه .
2 – كيف ترى الشاعرة العلاقة الجدلية بين مجال دراستها ” الاقتصاد”وبين أعمالها الأدبية؟ وهل باعتقادك لتخصصك انعكاس على كتاباتها أو تأثير عليه؟
– ليس مجال دراستي هو الأساس في تعلم ضرورة الاقتصاد في كل شيء , في الكلمة والمشاعر والعطاء والبذل وحتى الهواء الذي نتنفسه بل الحياة نفسها وما آلت إليه أرغمتنا على ذلك.. بدليل أن حياتنا قبل كانت بسيطة جداً ولم نكن نفكر بالاقتصاد بالفرح والأحلام والود والأمنيات .. هي شعرة واحدة فصلتنا ونقلتنا بين حياتين.. ربما صار بإمكاننا أن نقول بين حياة البذخ في كل شيء وحياة الاقتصاد في كل شيء حتى الدموع وياليتنا نتعلم كيف نقتصد بالموت ولا أقصد طبعاً الموت المتعلق بمفارقة الروح للجسد.. بل بالأنواع الأخرى والمُتكاثرة.. لقد خلقنا لكي نعيش إلى أن يدركنا الموت لا لكي نموت ملايين المرات دون أن ندرك الحياة..
3 – صدرت لك عدة مجاميع شعرية نذكر منها: دعوة للرفق بالكلمات ،نياشين على صدر قلبي، حدثينا عن تجليات هذه الاصدارات و كيف تصفين بعين الشعر مجمل النقد الموجه لكتاباتك؟
– كل إصدار له بصمته المميزة وروحه ورسالته.. وكنت سعيدة بالنقد الذي وجه لكتاباتي ولا أتحدث عن المديح لأن من الطبيعي أن يفرح الكاتب بإضاءات النقاد حتى على جوانب لم ينتبه لها الكاتب نفسه.. لكن أقول عن اتهامي بالنظرة السوداوية واهتمامي _على حد قول البعض_ بالمواضيع التي تهم الرجل.. وطبعا تحدثت كثيرا إنه لا توجد مواضيع تخص المرأة ومواضيع تخص الرجل ومايحدث الآن يثبت أكثر صحة قولي بل مايحدث يهم الطفل والرجل والمرأة ووو .. وأيضاً أثبتت الأيام أن نظرتي لم تكن سوداوية بقدر ما كنت أحاول من خلال كتاباتي أن أحذر من الخطر القادم. ولدي قصائد بتواريخ قديمة جداً لم أنشرها في كتبي لأنها أكثر وجعاً وتصويراً لما سيأتي ولان كل ماكتبته حدث بالفعل آثرت ألا أنشرها متحدية قلمي بل وكأنني قررت الحجر عليه كي لا تتحقق رؤياه .
4 – الأدب العراقي له بصمة تاريخية عظيمة في الأدب العربي.. برأيك من من الشاعرات العراقيات حاليا استطاعت أن تمثّل الأدب العراقي خارجا ؟ و هل هناك تلاحم فكري بين القلم النسائي في سوريا- رغم قهر الظروف الحالية- و العراق؟
– بسبب تلك البصمة عبر التاريخ لا يمكن حصر الأسماء . للأدب العراقي تميزه في الفرح والحب والألم وحتى في الوجع والشاعرات استطعن إيصال ما تعانيه المرأة العراقية بخاصة في الحروب والنزوح والهجرة ومن الموجع أن تصبح تلك المرارات وذلك القهر هو الذي أدى إلى التلاحم العاطفي قبل أن يكون فكرياً ..بل على العكس لو كنا نفكر لتعلمنا من وجع الآخرين ..لكنني على المستوى الشخصي أحب أفياء الأسدي وريم قيس كبة ..
5 – هل برأيك أن الأدب النسائي استطاع إيصال هموم المرأة العربية بصفة عامة و السورية بصفة خاصة بصورته االصحيحة ، أم لازالت الرجعية الذكورية تسلب الجميل منه ؟
– ما يصدم أننا في تراجع وكل الادعاءات بالتطور هي ادعاءات موجعة حتى من يقولون إننا عدنا لعصر الجاهلية أخلاقيا وثقافيا أقول لهم ياليتنا نتعامل الآن بأخلاقهم وقتئذ وشيمهم وشعرهم وأدبهم . ثم إن كلمة هموم أصبحت مجحفة بحق المرأة التي رمّلتها وثكلتها وهجرّتها الحروب فصارت السمات العامة التي تُطلق على المرأة العربية ..للأسف حتى ضاعت في ظل تلك المسميات المرأة الأديبة والمُربية والمُخترعة .. حتى المرأة الأم والحياة والحبيبة .. بل إن مجرد الحديث عن المرأة والرجل والذكورة والرجولة والأنوثة في بحور الشعر أو أي صنف من صنوف الأدب غرق في بحور الدماء .
6 -هل نستطيع القول أن القصيدة النسائية مازالت خجولة ؟
– لا أعرف الخجل المراد منه في السؤال لكن بالنسبة لي يعني ألا أخجل من تعرية الواقع وقلتها منذ عام 2009 على قناة أم بي سي: نذرت قلمي لقول كلمة حق أمام زمان جائر .. هذه الجرأة بالنسبة لي …. ومازلت مصرة على قولي .وقصائدي تشهد أنني لم أنتظر أن تسيل نقطة دم فتحرر قلمي .والخجل بالنسبة لي أن أكتب مايخدش حياء الكلمة بحيث أعريها من الحروف فتصبح بلا معنى وليست أكثر من حروف مجرّدة .
7 – باعتقادك هل ممارسة الثقافة عبر العالم الافتراضي تختلف نتائجها عن الممارسة التقليدية للأدب و تعطي فضاء أوسع من الحرية ؟
– الحرية هي تلك التي نمنحها لأنفسنا منذ هبّة أول حرف .. لذا لا يمكن أن يمنحنا إياها أي عالم حقيقي أو افتراضي إن لم تولد مع كلماتنا . وقد انتُهكت تلك الكلمة مثلما انتُهكت الكثير من المُسلّمات.. إن تعامُلنا مع المفاهيم والأشياء والأشخاص وحتى الحب والوطن والدين والديمقراطية والحرية يشبه الطفل الذي يُجهش بالبكاء كلما رأى لعبة على واجهات المحلات لكي يستحوذ عليها وما إن يلعب بها قليلاً حتى يكسرها ويرميها .مايؤسفني أنه برغم كل الإيجابيات التي يجب أن نستفيد منها في التواصل والنشر والانتشار السريع , كعادتنا لا نأخذ من التطور سوى الجانب السلبي فظهر أكثر كم نعيش في مجتمع مريض يحب الإثارة .. ويزعم أنه يتصدى لها .. مع أنه يثير الفتن ويثير الشائعات والنعرات الطائفية ويثير اللغط ووو….
8 -من خلال مشاركتك في برنامج أمير الشعراء على قناة ابو ظبي ، باعتقادك هل الاعلام أنصفك كما أنصف عدد كبير من الكاتبات السوريات في الداخل و الخارج؟
– لا أقول أنصفنا كما ينبغي ولا أقول لم يُنصفنا .. لكن للحق ثمة أمور كثيرة هي السبب . أولا إعلامنا المُنشغل بالليدي جاجا وغيرها ممن جعلنا منهم نجوماً ولا يعترفون بهم في بلادهم ناهيك عن اهتمامه بتجارة الدم حيث صارت الدماء أكثر مايجلب الإعلانات والوجع صار بالنسبة للإعلام أكثر جدوى إقتصاديا , والأطفال بكل مايعانونه صاروا مادة دسمة للإعلام …ومن جهة نحن انفسنا ضد أنفسنا أليس غريباً أن يكون مقياس نجاح الواحد منا كثرة أعدائه ونسبة ازديادهم ؟!! أية إنسانية هذه التي تقوم على : لكي أطور وطني علي أن أدمر وطنك .. ولا يمكنني أن أبني بيتي إلا على انقاض بيتك , ولن يعيش أبنائي إن لم أقتل أبناءك .. ولن أنجح إلا إذا صعدت على فشلك لدرجة أن المثل القائل (يقتل القتيل ويمشي في جنازته ) أصبح أكثر رحمة مما نعيشه بل عدنا إلى أول جريمة قتل نقتل بعضنا وأحلام بعضنا دون أن نواري سوءة أخوتنا مايعني أننا نعيش في مجتمع ملوث وآفة ذلك التلوث الحروب..
9 – حدثينا عن تجربة المشاركة في هذا البرنامج و ماذا أضافت لك على المستوى الأدبي و الشخصي ؟
– على المستوى الأدبي كل خطوة أمشيها هي إضافة لمسيرتي بالطبع . وعلى المستوى الشخصي أفخر بأن عائلتي كبرت وصار لي أخوة واهل في كل الوطن العربي كما اتمناه لا كما هو الآن ولا كما يراه قلمي.
10 -الشاعرة قمر صبري الجاسم…من رحم المعاناة في سورية، كيف تصفين لنا المشهد الانساني من زاوية شاعرة ؟
– إذا لم نتحدث عن الخسائر البشرية والنفسية والإنسانية والتشرد والضياع عن أي مستقبل سنتحدث بعد دمار تاريخ عمره آلاف السنين ؟
يبدو أننا نفهم التضحية خطأ ..حتى في العلاقات الشخصية الآثار التي يتركها للمستقبل وجود كل شخص في حياة الآخر هي التي تحدد صدق كل منهما . حتى بين الإنسان ونفسه مهما فعلتُ ولو بقيت كل عمري أجتهد وجئت ودمرت كل مافعلته في لحظة مايعني أنني لا أحبها لأن ما أفعله من أجل المستقبل هو الفيصل وحين أدمر كل شيء يعني أني أكرهني .. .
إلى أي درجة حافظنا على تاريخ بلادنا وماهي الإضافات التي أضفناها من أجل مستقبلها ومستقبل الأجيال القادمة هنا يكمن حب الوطن .
قوة الحب أو عدمه لأنفسنا وللآخر وللوطن تكمن في الآثار التي نتركها للمستقبل والتي تبقى حية حتى بعد الموت .. أو تودي إلى الموت في أوج الحياة . المشهد الإنساني في مايحدث في الوطن العربي كله متشابه .. والنتيجة باختصار : انعدام الانسانية . أصبح جواز سفرنا ألمنا .. ولفظتنا السفارات .. نحمل من سفارة لأخرى ظل الماء المنكسر .. بحثاً عن سراب ليس إلا . .
11 -عودة بك الى عجلة الحياة، كيف تقضي قمر الجاسم تفاصيل يومها، و متى تصاحب شغف الكتاب؟
– كنت أقضي تفاصيل يومي بما يزيد ويفوق مقدرة الوقت وكنتُ أنجز في اليوم الواحد بين عمل البيت والجريدة والإذاعة وكتابة المقالات والحوارات والشعر والنثر وووو ناهيك عن القراءة والقراءة والقراءة ..الآن أصبح الوقت طويلاً لكنه سريع البطء .. أشعر أنني لا أستطيع أن انجز شيئا سوى الوجع .. ومع القراءة والكتابة طغت عندي هواية التّذكّر .. صارت الذكريات موجعة بكل فرحها .. كنت أشعر أن الموت يستحي ممن لا وقت لديهم سوى للعمل والعطاء .. الآن أصبحت في كل مرة أموت فيها يأتيني إلى القبر الذي أعيشُ فيه مَلكٌ واحدٌ فقط ليسألني السؤال نفسه : لماذا قلبك طيب ولِمَ كل هذا الإسراف في الصدق ؟
12 – في نهاية حوارنا ، ما هي مشاريعك الأدبية القادمة ، و كلمة توجهينها للقارئ العراقي من خلال جريدة الحقيقة؟
– لم نعد نستطيع أن نتحدث عن مشاريعنا القادمة منذ أن استيقظنا في بيتنا ووجدنا أنفسنا وكأننا في بلد غريب .. صارت أحلامنا تخيفنا , فكيف لمن أصبحت أوطانهم مجرد حقيبة ودورنا غيمة شاردة جارها السفر ..
لكن كما قلت في لقاء بعد فوزي في مسابقة الشاعرات العربيات عام 2009 لديّ الشعر الكافي ليسكر البحار والمحيطات والأنهار .. جمعت قصائدي وصدر لي ديوانان منذ أيام أحدهما (ديمُقشعرية) عن دار فضاءات في الأردن . والثاني (قصص قصيدة جداً) عن أكاديمية الشعر في لجنة إدارة المهرجانات والبرامج الثقافية – أبو ظبي ولدي رواية بدأتها منذ عام 2003 سأضع عليها اللمسات الأخيرة وأضيف ما يحدث بعد أن كانت زاخرة بالتنبؤات .
أوجه للقارئ العراقي تقديري وحبي واحترامي.. نحن قلب واحد ووجع واحد وأمل واحد.. وأحلم بكأس شاي عراقي في شارع المتنبي وذلك أضعف الأحلام. حتى أنني قلت في إحدى قصائدي التي أعرف بها عن نفسي:
ويجري الفراتُ بدمعي ..
تحسَّس مفاصل حزني تجد عمقَ دجله.





_1617644865.jpg)



