انقطعت عني اخبارصديقتي التي تسكن في الشارقة ، فاضطررت للسؤال عنها خشية اصابتها بمكروه لكنها كانت تناضل من اجل البقاء كما يبدو ، ليس البقاء على قيد الحياة بل على قيد العمل.ففي دولة الامارات العربية يقوم نظام العمل على محاصرة العاملين بضرورة الابداع وتقديم افكار جديدة ومبادرات ومقترحات لتطوير العمل مهما كان نوعه ، والا فلن يستمرون فيه ، ولذا تعمل صديقتي طوال اليوم على رفد مجال عملها بالجديد لتواصل العيش برفاهية نحلم بها في العراق..بهذه الطريقة تتطور الدول وتنجح المجتمعات حين يعتمد المسؤولون فيها على طاقاتهم العاملة بتحفيز مواهبهم وبشكل يحقق منافع للبلد ، وهكذا ازدهرت دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية بعد خروجها من حروب طاحنة ومثلها المانيا والدول الاوروبية والصين ..في العراق ، مازالت المؤسسات الحكومية تعاني من مشاكل عدة تسهم في تأخير البلد وتدهور اقتصاده ، منها البطالة والبطالة المقنعة ، وتعني الثانية كما تعرفها منظمة العمل الدولية ” وجود افراد يعملون معا في مكان واحد ويؤدون عملا واحدا يمكن ان يؤديه فرد او اثنان منهم ” ودون ان يكون هناك انتاج حقيقي ملموس من عملهم ..
عدوية الهلالي
نفاق وغيرة ..
في دائرة تابعة لوزارة الثقافة ، يتكدس عشرات الموظفين في اروقة الدائرة والكافتيريا لعدم وجود اماكن يشغلونها ، اما من حصل منهم على طاولة ومقعد او مجرد مقعد ، فسيجد نفسه فردا ضمن مجموعة من الموظفين الذين لا يملكون أي عمل ينجزونه طوال النهار ما دامت دائرتهم ليست خدمية ..
ايمان عبدالله ، واحدة من الاعلاميات اللاتي وجدن انفسهن ضمن موظفي وزارة الثقافة بعد حل وزارة الاعلام وتم تنسيبها على دائرة صغيرة تابعة للوزارة ..
ولأنها تهوى الصحافة ومازالت تمارسها وتنشر نتاجاتها في صحف ومجلات عدة ، فهي تعاني من البطالة في دائرتها التي لم تمنحها مكانا مناسبا او جهاز كومبيوتر كأية اعلامية ولا تجد فيها ما تفعله بعد ان شحت الانشطة الثقافية بسبب الظروف التي يمر بها العراق..
ايمان تعاني ايضا من عدم تفهم رؤساء العمل لمهنتها كاعلامية تحتاج الى الخروج الى الشارع والتفاعل مع المجتمع وحضور التجمعات والمؤتمرات والمناسبات التي تخدم عملها ، فهي محكومة بقائمة الحضور والغياب وان اضطرت الى الغياب او الخروج فينتظرها غالبا قطع الراتب بسبب النفاق والغيرة ، فاذا سمح لها المدير بالخروج لظرف مهم ، سيرغب الجميع بالخروج او يقدمون شكوى ضدها وربما ضد المدير ..
وتصف ايمان ما يجري بالبطالة المقنعة ، فمثلها لا يمارس مهنته الاصلية بينما يفوق عدد الموظفين الحد الذي تستوعبه الدوائر ، وليس هناك تنسيق من الوزارات في عملية توزيع الموظفين..
وتتساءل عن كيفية تعيين الخريجين الذين يعانون اصلا من البطالة اذا كانت الدوائر تغص بموظفيها وتسود فيها البطالة المقنعة !!
كارثة اقتصادية ..
ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور جمال عبد السلام ان انتشار البطالة المقنعة يعود الى الغاء بعض الدوائر وتوقف بعض المعامل والمصانع ومحاولة الحكومة الابقاء على موظفي تلك الدوائر والمعامل لاستمرار رواتبهم وخفض نسبة الفقر بالتالي ، في الوقت الذي لا تستوعبهم الدوائر البديلة التي تم تنسيبهم اليها فيضطرون الى الدوام لمجرد الدوام فقط ..
ويشير عبد السلام الى ان تلك الاسباب اضافة الى الاسباب المؤدية الى الفقر ، ادت الى انتشار البطالتين المقنعة والحقيقية ، ما ادى الى ضياع جهود الايدي المنتجة ، مؤكدا ان المرأة متضررة قبل غيرها من هذا الامر فهي لا تقدم شيئا في مقر عملها بينما تحتاج عائلتها الى جهدها الحقيقي وبالتالي فلا يعتبر عملها خارجا اثباتا لقدراتها وذاتها بل ضياعا لوقتها لكنها مضطرة بالتأكيد الى الاستمرار لحاجتها الماسة الى الراتب وما يترتب على ذلك من حقوق بعد التقاعد !!
من جهته ، يرى الباحث فارس حميد ان تحول الولاء للطائفة او الحزب او التنظيم في الاونة الاخيرة ، افرز جيشا من الموظفين المعينين لاغراض انتخابية او سياسية وهم من غير المؤهلين للعمل في تلك الوظائف ، بينما تصرف لهم الدولة مبالغ ضخمة ترهق الميزنية العامة ..
وهناك مثال آخر لارهاق ونهب الميزنية الوطنية وهو حمايات الشخصيات ( الوطنية ) التي تفرزها كل دورة انتخابية والتي تندرج ضمن خانة ( البطالة المقنعة ) وتجر البلد الى كارثة اقتصادية ..
ويشير حميد ايضا الى شريحة المفصولين السياسيين الذين غادر اغلبهم الوظيفة لممارسة اعمال تجارية او السفر ثم عادوا تحت هذا البند الى وظائفهم وحصلوا على التعويضات ، بينما واصل الموظفون الحقيقيون العمل تحت اقسى الظروف لقاء رواتب فقيرة ، وكان الاجدر بالحكومة ان تمنح هذا الحق لمن حوكم او سجن او اعتقل او طورد لاسباب ادت الى فقده لوظيفته !!
ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور احمد بريهي ان ارتفاع ايرادات النفط يجعل الحكومة تستجيب الى زيادة اعداد منتسبي الدولة فوق الاحتياجات التي تعينها الشروط الفنية للاداء فتظهر البطالة المقنعة في قطاع الحكومة لأن الحاجة ضاغطة الى مصدر للدخل بما يلائم المستويات المقبولة للمعيشة ..
وادت الرغبة لاظهار مكاسب النظام الجديد مقدما ، الى الاستعجال في رفع الراتب الحكومي فوق متوسط دخل المشتغل في القطاع الخاص بفارق الهب الطلب على العمل في الدولة.
لكن القطاع الحكومي ومع استمرار التوظيف لا يمكن ان يتسع لكل العاطلين وبالنتيجة تتكاثر اعداد من يشعرون بالغبن والحرمان ممن لم يحصلوا على وظيفة حكومية..
ويجد بريهي الحل في تنمية القطاع غير النفطي وغير الحكومي وخاصة الزراعة والصناعة التحويلية والانشطة المرتبطة بالاستثمار من بناء واعمار لاستيعاب عرض القوى العاملة بانتاجية مناسبة تسمح باكتساب المشتغلين لدخل يكفي لمتطلبات المعيشة اللائقة وبالتالي وصول الاقتصاد العراقي الى التوازن المستقر ..
ويعطي الكاتب والباحث خالد الخفاجي حلولا لمعالجة البطالة المقنعة وتحويل ابنائها الى ايدي مدرة للدخل عن طريق تفعيل دور القطاع الخاص ( الصناعي والزراعي ) وحمايته من المنافسة غير العادلة التي اخرجته من الخدمة الفعلية لصالح الانتاج المستورد الرديء.
ومن ضمن الحلول ايضا تفعيل القوانين الاقتصادية المعطلة ليعود مستقطبا للايدي العاملة ويوفر فرص عمل اضافية للذين سيتم التخلي عنهم من القطاع العام لتخفيف العبء عن الموازنة العامة ، اضافة الى خلق فرص عمل حقيقية في القطاع العام من خلال تشغيل المشاريع الانتاجية المتوقفة وتوسيعها وانشاء اخرى جديدة قادرة على رفع مستوى الناتج القومي في الصناعة والزراعة والسياحة.
ويطالب الخفاجي بتشديد العقوبات الادارية الرادعة كالطرد والاقالة والفصل من الوظيفة بحق الفاسدين والمفسدين ومن الذين شغلوا مناصبهم دون استحقاق كالمزورين ومدعي الفصل السياسي..
كما يدعو الى خفض السن التقاعدي للتقليل من حجم البطالة المقنعة وابعاد ادارات الدوائر العامة عن المحاصصة الحزبية واسنادها الى اشخاص اكفاء من التكنوقراط ..
ربما ستسهم هذه الحلول ، لو اعتمدتها الحكومة الجديدة ، في القضاء على البطالة المقنعة وانقاذ البلد من محنة اقتصادية تقف حجر عثرة في طريق بناء البلد وتنمية اقتصاده.





_1617644865.jpg)



