من البديهي جدا في ظل التراكمات الاجتماعية و الظروف الاقتصادية و السياسية أن يلجأ كل واحد منّا الى تدوين أفكاره و تأريخ أحداث بيئته التي يعيش بها ،سواء كتب شعرا أو نثرا أ و قصة ….المهم أن يبدع في ترجمة ما ينتابه من ضيق أو هموم أو نزعته الثورية حيال ما يؤلمه….لكن ما نلاحظه و للأسف غياب النص المسرحي في ترسيخ مفاهيم الظرف و المكان على عكس ما قرأناه و عرفناه عن دوره قديما في الأدب العربي و التئامه بالحدث بجرأة و حنكة واضحة المعالم .،و ذلك عن طريق تجسيد فكرة الكاتب بتوظيف اشخاص او شخصيات وطرح هذه المشكلة باسلوب وقالب كوميدي او تراجيدي ،حيث أن المسرحية تجعلنا نشاهد اشخاص يتكلمون ويعبرون عن آرائهم باستخدام اللسان او حركة اليد والجسم بالاضافة الى مؤثرات صوتية تدفعنا للانفعال و التفاعل مع الحدث الذي يجسدونه، كما أنها تخلو من التلقين والوعظ الثقيل على القلب لكن هناك من كان يخشى خطورتها التي تكمن في جماهيرية المتلقين و انفعالهم معها…
الحقيقة – سناء الحافي
…لذلك كان تأثير المسرحية على الانسان كبيرا في السابق لما تتركه من اثر في نفسية المتفرج لانها تلامس الواقع الذي نعيش فيه ،لكن تزامنا مع كثرة المواقع الالكترونية و تسهيل وصول الناس الى مختلف الثقافات جعلهم يعزفون عن دور المسرح ليجعلون بذلك المسرحية في خانة التهميش و إحباط النص المسرحي في محاولة منه للنهوض و الارتقاء بالأدب في خدمة المجتمع صوتا و صورة ضمن تعدد المشاهد و الانفعالات.. ليصبح بذلك غياب المسرح عنّا هو انسلاخ منا عن أصل الأدب و تضييق منا لدور الكاتب المسرحي في أخذ حقه كمبدع يحتاج الى الاهتمام و التشجيع لربما يستطيع بلورة المشهد الثقافي العربي مرة أخرى بكل صدق و تمكن و احترافية دون أن نتساءل عن اين اختفى مسرح نبيل المشيني الذي كان يقدم مسرحيات رائعة وكذلك اين اختفى مسرح الدمى التي كانت تعرض للاطفال؟!! أو متى يحين الوقت لنكسر روتين الحياة والاستمتاع بوجبة فنية راقية تعمل تحت نظر الجميع، بدلا من البحث عنها في الدول المجاورة أو في الإنترنت والقنوات الفضائية؟!!!
لا خشبة مسرح في الواقع !!
هنا لابد من الاعتراف أن السؤال الذي أردنا طرحه للنقاش مع عدد من المسرحيين والكتاب لم يكن بالمفاجئ، فغياب ركيزة هامة من ركائز العمل المسرحي ( النص ) هو تداعي لحالة غياب عوامل وظروف عديدة ، أقلها إثارة أن الكاتب المسرحي يدرك مسبقا أنه لا خشبة مسرح في الواقع !!
و بحسب تعبير الكاتب المسرحي ياسر البراك– يقول : “النص المسرحي المحلي موجود، إلا أن هناك من أراد أن يغيبه عن طريق الإهمال المتعمد لكتاب المسرح العراقي، أوالتقليل من شأنهم” ويتساءل : “لماذا لا يقوم المعنيون بالمسرح بالبحث عن الكاتب وتشجيعه، بدلا من قيام الكاتب بالبحث عنهم وتبني الأعمال الصالحة، ومنح الكاتب حقه المعقول بدون من وجع دماغ.؟!”
البراك وهو صاحب مؤلفات مسرحية أغلبها لم تجد فرصتها على خشبة مسرح يشخص الوضعية المتردية للمسرح في الراهن العراقي بأنها نتاجاً للرؤية الثانوية للدولة ،”فالمتتبع للحركة المسرحية العراقية أنه بدأت تتراجع مذ أن أصبح المسرح أمرا من الأمور الثانوية للدولة، حتى أنها لا تمنح المسرح، في السنة، ما يساوي قيمة ربع سيارة مما تصرفه لمسؤول، ويا ليته يقوم باستخدامها لمشاوير الدولة وحسب، ولكنه يسخرها لمشاويره الخاصة وأفراد أسرته !!”
ويضيف :” ثقافة المسرح فعل تراكمي، فهل تم تكوين مجتمع يحب المسرح، ومن أجله سيدفع قيمة التذكرة لمشاهدة المسرحية. إنه تكريس التخلف، فكيف يمكن أن يكون هناك مسرح بحق وحقيقي ؟ المسرح في جميع أنحاء العالم يشاهده الناس مقابل مبلغ معين، إلا في بلادنا حتى يظل مرهونا بقبضة الدولة، حتى تطفش المسرحيين بالمبلغ الزهيد الذي تدفعه لهم، ، فكيف يوزع على كل ذلك الكادر المسرحي، ومع هذا فإن المسرحيين يحاولون جاهدين التمسك بأمل المسرح. “
مرجعية المسرح العراقي قائمة على تجربة عملاقة وكبيرة..!!
الى جانبه يؤكد الكاتب والناقد المسرحي الدكتور محمد حسين قائلاً أن : ” الحياة لم تتوقف في المسرح العراقي في أي ظرف سابق او حالي اذا ما نظرنا بالموضوعية التي يجب, بل ان المسرح العراقي تنفس الصعداء اكثر وانتعشت عروضه المسرحية وازدادت منذ 2003 والى الان, لاني انظر بالموضوعية التي يجب الى مصطلح المسرح العرقي وشموليته الجغرافية الصحيحة الشاملة للمحافظات والمدن والاقضية والنواحي العراقية من شمال العراق الى جنوبه ومن شرقه الى غربه, لكن الكارثة واللاموضوعية تتحقق حينما نقيس موت المسرح العرقي وانتعاشه على عروض مدينة بغداد فقط التي تجمد بها المسرح فعلا – والى الان – لاسباب قاهرة جدا وغير متوقعة داخلية وخارجية: اهمال الدولة للمسرح من جهة والوضع الامني من جهة اخرى فاذا ما تضاءل الاخير نجد الاول في تصاعد مستمر وقصدي للمسرح وللثقافة العراقية بشكل عام.
ان هذا البعض من العروض المسرحية الاخيرة في بغداد لايعني شيئا اذا ما قارناه بالمنتج المسرحي لعروض المسرح والثقافة المسرحية الفاعلة جدا في عدد غير قليل من محافظات ومدن العراق التي استمرت بها – ولم تتوقف – المهرجانات المسرحية والعروض والمؤتمرات والندوات المسرحية الاسبوعية منها والشهرية والسنوية مثل: البصرة والشطرة وبابل وناحية القاسم وذي قار والسماوة وكربلاء والموصل والنجف والديوانية وديالى وغيرها.”
مضيفاً، أن مرجعية المسرح العراقي قائمة على تجربة عملاقة وكبيرة تاريخيا يكفلها عدد غير قليل من رواد واساتذة المسرح العراقي منذ ستينات القرن الماضي الى عام2003 لذا فان التجربة المعاصرة مهما تعرضت لهزات طفيفة وخدوش سطحية مؤقتة نجدها تتغذى وتستند الى الارث الروحي والفكري لتجربة المسرح العراقي الاصل وتحاول التجربة المعاصرة القبض على خيوط الامتداد بين التجربتين وان حاول البعض قطع هذه الخيوط.. لكن المشكلة في نظري لم يسع المجال بعد كي يعمل الجميع فالكثير من الاسماء المسرحية الكبيرة والمهمة تجلس خلف ابواب مشاريعها المؤجلة بانتظار توفر الجو النقي مع الاخذ بنظر الاعتبار مفاهيمية هذا النقاء معنويا وماديا وفكريا.
التعددية المذهبية سبب في ترهل النص المسرحي العراقي !!
و يشير الناقد اسماعيل الياسري الى أن الكاتب العراقي الذي تأثر بمختلف المذاهب والتيارات المسرحية الأجنبية -القديمة والحديثة – ، أصبح مضطراً أن يصوغ من مجمل ماتأثر به من هذه المذاهب المختلفة التي اطلع عليها والمسرحيات المختلفة التي قرأها، أسلوبا فنيا خاصا به ، مقنعا لعصره ، ومتناسبا مع الواقع الذي يعيشه . لذا برزت ظاهرة التعددية في كثير من النصوص،التي حاول كُتّابُها أن يُعالجوا من خلالها قضايا اجتماعية ،وسياسية مختلفة،إذ يمكن أن تلاحظ بذور هذه التعددية في كتابات رواد المسرح العراقي ، بدءا من يوسف العاني وطه سالم وعادل كاظم ومحي الدين زنكنه وجليل القيسي وغيرهم من الكتاب،اذا يمكن ان تلاحظ اكثر من مذهب وتيار مسرحي في النص الواحد حيث تختلط هذه المذاهب والتيارات والاساليب لتكون نص مسرحيا قد يكون احيانا جيدا ومتماسكا واحيانا اخر رديئا، وذلك حسب قدرة المؤلف على فهم واستيعاب هذه الاساليب والمذاهب ومعرفة اسسها ومبادئها .فمثلا استطاع العاني في نص مسرحية والمفتاح والتي تتناص في فكرتها مع مسرحية الطائر الازرق لميترلنك ان يخلط عدد من هذه الاساليب بدءا من المذهب الرمزي الذي ينتمي اليه النص ثم المسرح التسجيلي والمسرح الملحمي ،عملية الخلط هذه ادت الى تكوين نص به بعض الهفوات والمشاهد الفائضه والتي ادت الى الاطاله و ترهل النص والتي ربما سببها عدم معرفة العاني التامه واطلاعه الواسع على اسس ومبادى تلك المذاهب والتيارات والاساليب ، وهذا ادى الى ترهل هذه النصوص والسبب هو قلة معرفة ودراية سالم بكثير من اسس ومبادى المذاهب والتيارات مما جعلها تختلط دون ان يستطيع فرزها فيما تمكن كتاب اخرون من الاستفادة من اطلاعهم على كثير من المذاهب والتيارات والاساليب الحديثة من كتابة نصوص رائعة متماسكة مثال على ذلك مسرحية الباب ليوسف الصائع والتي خلط بها مابين التعبيرية والرمزية والعبث واللامعقول في نص واحد ،ان بروز هذه الظاهرة بالنصوص المسرحية العراقية يمكن ان تؤدي الى ولادة نصوص رائعة وقوية اذا كان الكاتب المسرحي العراقي ذو وعي وثقافة تامة بالمذاهب والاساليب المسرحية الحديثة والعكس يمكن ان يقال فيما اذا كان الكاتب قليل الخبرة والدراية بالمذاهـــــــــب والاساليب المسرحية الحديثة.
المسرح العراقي في غرفة انعاش يحتاج لمن يعيد اليه الحياة..!!
وعن غياب الكاتب المسرحي قال الفنان عبد الجبار الشرقاوي:” لا يشكو المسرح العراقي من غياب الكاتب المسرحي فقط بل هو غياب في كل شيء فمسارحنا اسيرة وتنظر نحونا بحسرة فانعدام الدعم والاهتمام الحكومي وتجاهل السياسيين لاهمية خطاب وتأثير المسرح على النفوس وعقوبة التمويل الذاتي وبصريح العبارة ان المسرح العراقي في غرفة انعاش يحتاج لمن يعيد اليه الحياة كما هي بقية الفنون التي تعاني ومنذ سقوط النظام من اهمال ولا ابالية المسؤول والتي تعتبر السمة الحضارية والمشرقة لمعرفة ثقافة الشعوب ومدى تأثيرها في وصنع وسائل اتصال دائمة مع الاخرين. وبخصوص التجريب في المسرح نوعية التجارب وهل هو ضروري؟ قال التجريب في المسرح وفي كل الفنون مهم ومطلوب فالحياة تسير الى الامام والتجديد يمشي معها فالبحث الدائم عن القوالب الجديدة والاشكال والرؤى لن يتوقف اذن التجريب تحرر من القديم واكتشاف وسائل تعبير وطرائق جديدة للوصول الى جمالية العرض مع وجود سينوغرافيا مدروسة تناسب روح العصر فقد كان المسرح العراقي وما زال في البعض من تجاربه الاخيرة دائم الخوض في هذا المضمار ونستذكر تجارب الاستاذ قاسم محمد الكثيرة وبحثه الدائب والمستمر في عالم التجريب اللامنتهي كذلك فنانونا الكبار امثال الراحل ابراهيم جلال ود . عوني كرومي وهاني هاني تضاف اليهم تجارب عزيز خيون وعواطف نعيم .. فالتجريب ضروري فهو تمرين مستمر بين الفنان ومتلقيه.”
غالبية فناني المحافظات ..يجهزون ديكورات مسرحياتهم من أثاث منازلهم !!
و الى جانبه يضيف الدكتور محمد حسين حبيب :” المسرح العراقي يعاني من معوقات عديدة لكن التركيز يتم فقط على الحديث عن مشاكل المسرح في بغداد متناسين بقية المحافظات العراقية ، وتحديدا المحافظات الوسطى والجنوبية التي افتقدت طيلة السنوات الماضية إلى ابسط مستلزمات العرض المسرحي فنجد أن غالبية فناني المحافظات ينتجون أعمالهم المسرحية من جيوبهم الخاصة ويجهزون ديكورات مسرحياتهم من أثاث منازلهم وبحسب المتوفر ساعين إلى الإعلان عن تمسكهم بمسرحهم العراقي وبفنهم الجميل (المسرح ) دون غيره ودون مقابل مادي يذكر.
و يتابع حبيب : “وإذا أردنا الحديث فعلا عن أزمة مسرحية حقيقية ( الآن ) هي تلك ألازمة التي يعاني منها عدد من مهرجي المسرح العراقي ممن وصموا مسرحنا بعار العروض التجارية – الاستهلاكية التي قدمت حصرا في فترة نهاية الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي والتي أساءت كثيرا لسمعة الفن والفنان العراقي مثلما أساءت في ذات الوقت لخلق الفنان والإنسان العراقي على حد سواء.
في حين كان هناك وفي الضفة الأخرى عدد كبير من الفنانين المسرحيين العراقيين يعاني أزمات مادية ونفسية وفكرية لكن تمسكه بالصبر وبالثبات على الموقف والمبدأ كان همه الأكبر فلا وجود لازمة مسرحية عراقية (الآن)لأننا نعيش بداية الخروج من (أزمة)ماضية والمستقبل المنتظر هو كفيل بحلها حتما.
المسرح.. ابتكره الإنسان ليس طمعاً بهامش المتعة البريئة..!!
و يؤكد الفنان المسرحي عزيز خيون : المسرح حاجة ، ضرورة ، ابتكره الإنسان ليس طمعاً بهامش المتعة البريئة التي يوفرها بل لأن لهذا المسرح القدرة العجيبة في أن يستضيف أعقد المشكلات على خشبته ليناقشها لا بصورتها الواقعية – هذا الذي يحصل في الغالب – إنما بمقترح فني ينتمي إلى الجمال ، إلى الدهشة ، حلماً باستفزاز الآخرين كي يغيروا من واقعهم الرث المتخلّف.. ومن خلال هاته الخشبة يستطيع المسرح أن يوجه رسائل عديدة صوب الحياة يقلقها ويهزها هزّاً لتعيد النظر بما اعتادت عليه من آليات عمل وأنظمة وعادات مستهلكة .. والمسرح كما هو معروف ، فن الاحتجاج والتمرّد والرفض والثورة ضد كلّ ما هو متخلف وفاسد يتعارض مع قوانين السماء وقيم الأرض في النظر إلى ما يخدم ويقدّس ويشرّف بنيان الله ، الإنسان .. لذا تشبثت به الشعوب الحرة التي خاضت نضالاً صعباً ضد مستعبديها ، وسارقي خيراتها .. وظل المسرح فنٍ يرافق الإنسان في صيرورته المتغيرّة المتطورة على الدوام ، ويستفزّه بالتحرك باتجاه الأجمل ، وبالمقابل أن الإنسان كذلك يمارس هذا الاستفزاز جهة المسرح بما يدفع به نحو التطوّر والتكامل والحداثة .. فنُ المسرح صديق الإنسان حتى في الحالات التي حُورب بها هذا الفن ، إلا أنه ظل حياً يهمس بالوجود والتحريك والتحديث ، بدليل عودته معافاً قوياً ثانية وثالثة ، وطالما أنه ضرورة فلا يمكن لأيّ وسيط منافس أن يحلّ محله ، حتى وأن حاول هذا الوسيط المنافس أن يغازله ، فيستضيفه ، كما يفعل التلفزيون حين يقوم بعرض بعض الأعمال المسرحية ، لكن هذه الآلية المصنوعة لا يمكنها وبأي حال من الأحوال أن تكون بديلاً عن المسرح الحي وهو يستقبل عشاقه ، جمهوره ، ليقيم معهم هذا الحوار الساخن المكهرب وبشكل مباشر …
ثم أن المسرح ليس هو فقط العرض، إنما هو فن الاتحاد وهذه خصيصة من خصائصه الهامة، التي من خلالها يُجمّع هاته الأعداد الكبيرة من البشر ، المتنافرة الأهواء ، المتنوعة الأديان ، المختلفة الألوان والمشارب ، المتعددة القوميات ، يُجمها كلها تحت سقفه الذي بحكمته وسماحته يوحّد الجميع ، كتفاً لكتف ، الواحد يُجاور الآخر ، يحاوره ، حتى دون أن تكون هناك معرفة سابقة .. المسرح فنٌ يوفر فرصة التقارب العظيمة هاته ، فرصة التعارف ، بمعنى أنه لا يمكن لأيّ فضاء إعلامي آخر أن يكون بديلاً عن المسرح ، وهو يوفر أرقى متعة للمتلقي … وعليه ، ونظرا للأهمية التاريخية لفن المسرح العراقي نتساءل جميعاً: متى تُصغي الجهات المسؤولة في الدولة والحكومة ، وزارة الثقافة / ودائرة المسرح والسينما وكافة الأذرع التابعة للوزارة المذكورة للفنان المسرحي و تتبنى همومه و مشاكله ، حتى تسرع لإعادة الحياة لعناوين الفرق المسرحية العراقية الخاصة والمعروفة بعراقتها ، ومنحها ما تستطيع به أن تنجز برامجها خدمة عامة للوطن والمواطن …





_1617644865.jpg)



