عبدالمنعم الاعسم
اسم الكتاب: “الحضور.. كيف تحقق تأثيرا أكبر في مجال العمل” والمؤلف هو تم روبسن، وصادر عن دار نشر “جون وِلي وأولاده، ججستر، المملكة المتحدة، 2014” وهو احدث الكتب اللافتة للنظر في مجال العمل وسبل النجاح وشروط الادارة المهنية للمؤسسات المالية، وشاء المؤلف ان يتخذ من مصرفي عراقي مغترب منذ اكثر من نصف قرن وعمل في مجالات ادارة المصارف في المملكة المتحدة والسودان وغيرها، وقد اعتبره كنزا من المعلومات والخبرات وبعد النظر.
الصدفة وراء العثور على الكنز
يبدأ الكاتب عرضه للفرصة التي اتاحت له التعرف على المصرفي العراقي قائلا: في الأشهر القليلة منذ بداية تأسيس شركتي، تم تقديمي إلى مصرفي عراقي وصاحب مشاريع متقاعد، مغترب منذ الستينيات ليكوّن لنفسه وعائلته حياة جديدة في المملكة المتحدة. لقد صعد عبد الكريم القطان عبر السلّم الوظيفي ليصبح مديرا عاما للبنك التجاري في بغداد، وهو منصب مرموق وله قيمة اجتماعية عالية. ولكونه مهنيا محترفا، فقد تعرّض للمتاعب فيما بعد وسجن من قبل النظام البعثي، قبل أن يطلق سراحه وأن يجد طريقا لمغادرة العراق لتأسيس حياة جديدة في الغرب. وهو رجل أعمال محترف ذو قصة عجيبة، فقد كوّن القطان عددا من الأعمال التجارية في بريطانيا، وأوروبا وأبعد من ذلك. وحتى في خريف حياته، هناك نار متوقدة في عينيه ودافع للعمل، وعطش للأفكار واهتمام فيما يحاول انجازه أناس مثلي. لقد كان لي الشرف بأن أقضي ما بعد الظهيرة مع عبد الكريم وعائلته لأستمع إلى المزيد عن حياته، ولفهم منهجه في ابتداء العمل ولأستعمله كنموذج متميز للشخص الذي يؤسس عملا ناجحا هو أبعد من مجرد تكوين المال.
ويضيف المؤلف، قائلا: واحد من أسئلة عديدة سألته إياها عصرا هو “ما هو المهم في “العمل” والعمل الذي يقوم به الناس؟” وقد ظل جوابه حيّا معي منذ ذاك الحين. وبدأ بوصف واحدة من أوائل وظائفه في البنك كمتدرب شاب وكيف أنّه تلقى الرعاية والإشراف من مدير خبير ضمّه تحت رعايته، وأملى عليه معرفته وخبرته، على مدى عدد من السنين. وقال إنّه مدين ببعض الجوانب الرئيسية في منهجه في الأعمال والحياة والشغل للرجل الذي درّبه سنوات عديدة في السابق.
الابداع.. وكأن الناس ولدوا مبدعين
إن منهج عبد الكريم واعتقاده الأساسي في الإبداع بقي معه خلال حياته العملية، وخلق فرص، وبناء علاقات، وتأسيس شركات تقدم خدمات كلما لاحظ وجود فراغ في السوق أو رأى الفرصة سانحة لبناء شيء جديد تماما. وكان مجال النشاطات التي وجد نفسه مشاركا فيها واسعا. وقد أسّس عملية مالية تدعم الأعمال الصغيرة التي تنشأ في المملكة المتحدة، واستورد السمنت لفترة محدودة لجالية رأى أن لديها حاجة إليه، وفي مرحلة أخرى أسّس شركة لتصنيع نوع جديد من مغاليق النوافذ جديدة التصميم (uPVC)، وكلها نجمت عن اعتقاده أن الناس جميعا قد ولدوا مبدعين ومساهمين في العالم الذي يعيشون فيه.
الرجل المبدع هو رجل مهم. اما تعريف القطان للـ”مهم” فهو ليس المهم كما نفهمه عادة، كوصف لوظيفة أو سلطة بنيوية فوق الآخرين الذين هم “أقل أهمية” مّنا. هذا النوع من الأهمية ليس تراتبا أو منظورا مقارنا حيث الأهمية يقصد بها المجد وغير المهم يقصد به الإهمال. “الأهمية” بالنسبة لهذا الرجل تعني القيمة، تعني المساهمة وكلمة محمّلة بالقدرات الإنسانية، وما يقصد به أن تكون حيّا وعضوا منتجا في المجتمع الواسع. مهم تعني أن كل فرد له دور، وأن ما يقدر كلّ منّا على تقديمه يمكن أن يغير حال الناس والظروف والمجتمعات من حولنا. مهم هو ما يحصل عندما نكون حاضرين، وهكذا عندما نبدع، عندها نحقق إنسانيتنا. ونحقق بذلك ما كان علينا أن نكونه منذ الولادة وأن يكون لوجودنا على الأرض معنى وتأثير. نصبح مهمين لأننا مبدعون ولأننا قدّمنا بعض الشيء.
ويرصد المؤلف مشوار الرجل الذي يجلس قبالته قائلا: لقد عاش عبد الكريم قطان وعمل طوال حياته العملية وفق تصور أساسي هو أن ما يجعل شيئا يحدث سوف يحدد “أهميته” وهكذا قيمته كفرد. وبعيدا عن الخوف، والعقلية الضيّقة وتفادي الخطورة، فإنه كان يقظا، واثقا وبقي منفتحا لكل الفرص التي تقدم نفسها في كل مجالات التداول. وكان حضوره مميزا. وهو رجل أنا تابع له، ويضيف القول: وهكذا فإن الدافع للإبداع ليس التخوّف. إنه لا ينظر وجلا من فوق كتفه. إنه يواجه بجلاء ما أمامه ولا يسلّم السلطة إلى غيره. إن الإبداع يقوم بمسح كل الفرص ويأمل دائما في بناء شيء، أو القيام بشيء أو تأسيس شيء ربما يحدث تغييرا لكل واحد منّا.
ويمضي في ضبط مسار النجاح لشخصية مميزة.. يقول: إثناء شربنا الشاي في تلك العصرية، أصابني احساس بمقدار ما عليه اهتمام مضيّفي من التوجه إلى الخارج، الناس الآخرون والوقائع، وهو قليلا ما يهتم بنفسه. إنه يعاني في الإجابة عن أسئلة مباشرة تتعلق بآرائه، مفضلا بدلا من ذلك أن يكشف عنها من خلال قصص أؤلئك الذين ساعدهم، الزملاء الذين عمل معهم أو الشركات التي ساهم فيها. هويته في التغيير الذي أحدثه، والأشياء والطرق التي ساعد بها الأخرين والنتيجة العريضة للمشاريع التي بذل جهدا فيها.
ثم يكتب: ها هنا شخص في الربع الأخير من حياته على هذا الكوكب، مراجعا مساهمته ليس كسلسلة من تصريحات الـ”أنا” أو موجز التعريف بانجازاته الشخصية، ولكن بالأحرى من خلال الناس الذين قابلهم في حياته المهنية، العائلة التي أعالها والاحتياجات التي وفّى بها للمجتمعات التي كان جزءا منها. لقد بدا العالم صغيرا بالنسبة له وإمكانياته بلا نهاية، وواحد من الأمور التي لاحظتها من بين أشياء كثيرة هو كم مرة جلس ضاحكا مع نفسه. تخيّل الطرق التي ربما ستتحول فيها خبرتك العملية بإضافة “أبدع” كمثال أعلى للعمل. من يمنعك إذا اردت أن تفكّر بهذه الطريقة؟.
اما ارشادات عبدالكريم القطان للنجاح في ادارة العمل فهي وجيزة جدا بحسب الكاتب يم روبسن:
*تخيّل إذا ما حكمت على قيمتك بما أبدعته، بما هو نام أو متغير أو متطور وما يحدث تغييرا لدى زبائنك، زملائك أو حملة الأسهم، بدلا من تفكيرك في مستوى مرتّبك، درجتك الوظيفية، أو مكانك في المنحنى العام لأداء الشركة.
*تخيّل أنك تحكي قصصا في عرضك تستعيد فيها الطرق التي كنت فيها “مهما” من خلال الناس الذين أثّرت عليهم ونجاح الآخرين بدلا من نجاحك الشخصي.
*تخيّل أن عرضك يدور بالكامل حول الآخرين، وأنك نادرا ما تستعمل كلمة “أنا”.
*تخيّل أنك ذهبت خطوة أبعد من ذلك وفي الحقيقة سمحت لتأثيرك أن يروي قصتك، بدلا من اللجوء إلى الحضور والقص كلما كان هناك شخص مهم لم يلاحظك. وربما لا نستطيع أن نعرف كيف نتصرف معك على وجه التحديد ومع ذلك فإنك ربما تستمر مبتسما…
*كن جاهزا. إنك لن تكون حاضرا بشكل جيد أو كثيرا إذا ما كنت نائما.
*كن حاضرا. شارك. إنه مجال العمل الذي يعادل القفز على أطراف أصابع قدميك، متهيئا للرد على الإطلاقات التي تأتيك من كل جانب. تيقظ، كن منتبها واتخذ موقف من يكون جاهزا.
*إسأل (أكثر!). إبحث ماذا يريد الأخرون حقّا وما يحتاجون، إذا كانوا زبائن، أو زملاء أو ناس يعملون لك.
*ابذل وقتا أكثر على هذه الناحية بدلا من أن تسارع في الأجوبة نيابة منهم. غيّر وجهة اهتمامك إلى احتياجاتهم وأعرف ما يجري لهم بالتفصيل. إنك تحتاج إلى أكثر من سؤال جيد قبل أن تغوص في الإجابة.
*كن كريما. أول ما تفهم المشكلة (أو الفرصة!؟)، ابحث عن الطرق التي تضمن دخولك فيها وكن نافعا. من ساعدت مؤخرا؟ من دعمت؟ من من الناس مدعومين أكثر، وأكثر نجاحا، وأكثر تحققا وتطورا لأنهم وجدوك في مدارهم حديثا؟ أوه، وقبل أن تصدر إعلانك إلى الصحف، خذ نظرة على النقطة التالية.
ويختتم الكاتب جولته في تجربة عبدالكريم القطان قائلا: قف قليلا. إنك تمر بالسيد القطان في الشارع. ليس هناك ما يجعله مركز الاهتمام الرئيسي على المسرح، ولكنه تحدّث ساعات العصر بكاملها عن الأعمال، المشاريع، المشاركات في الأعمال والفرص التي خلقها.. وعندما عدت ذلك المساء كنت عالما بأنني لم أتجاوز إن لمست السطح.









