اراء وأفكار

ازدواجية السلوك السياسي… التحالف (الشيعي الايراني- البعثي السوري) أنموذجاً

ابو رشدي صالح البديري

 

مواليد اربعينيات القرن الماضي  يتذكرون اخر مواضيع القراءة للصف الرابع الابتدائي (الحلاق الثرثار) خلاصة هذا الموضوع ان حلاقاً ثرثار كان يقحم زبائنه باحاديث السياسة بخصوص الحكومات التي افرزتها اتفاقيات ما بعد الحرب الكويتية الثانية (انتهت عام 1945). وان هذا الرجل على بساطة عقله وعدم احترافه السياسي واهتمامه بالتحليل السياسي على طريقة (محللو السياسة هذه الايام الذين تكاثر عددهم والحمد لله) كان يبحث وبسخرية لاذعة عن علاقات الحكومات التي فرزتها ظروف ما بعد الحرب في الشرق العربي فيما بينها او مع الدول الكبرى التي تسير في فلكها. 

ولو شاء هذا الحلاق ان يعيش ظروف العراق السياسية منذ مطلع الستينيات ولحد اللحظة يقيناً سيكون له تعليق كالتالي:- حزب البعث شعاره المركزية منذ تأسيسه نهاية اربعينيات القرن الماضي ولحد الان( امة عربية واحدة    ذات رسالة خالدة)  (وحدة.. حرية.. اشتراكية) لكن هذا الشعار لم يتحقق منه على صعيد الواقع حتى 1% وانما ابتلى الشعبان العراقي والسوري بهلوسات هذا الحزب الفاشي الرديكالي الميكافيلي (من ميكافيلي صاحب نظرية الغاية تبرر الوسيلة).

المهم ان البعث استلم السلطة في العراق في شباط/1963 واستلم السلطة في سوريا اذار/1964 وشكلا نواة لوحدة عربية لكن هذا الحلم لم يدم طويلاً وانهارت الوحدة الصورية حتى مع مصر(الجمهورية العربية المتحدة) واصبح بعث سوريا يشكل خطاً وبعث العراق نقيضه ثم انهزم بعث العراق في نهاية 1963 على يد عبد السلام عارف وبقي بعث سورية قائماً دون ان يتقدم خطوة واحدة لتحقيق الاهداف المرسومة. يعود بعث العراق للسلطة ثانية تموز/1968 ويلوح في الافق امل في الانفتاح دون مستوى الاتحاد او الوحدة، قبل نهاية السبعينيات وفي رئاسة احمد حسن البكر يكون هناك تعاون في ظل رئاسة حافظ الأسد لكن سرعان ما يبدي الجفاء وقطع المياه وسوء العلاقات حتى ازاحة البكر بطريقة (صدامية) وصعود المقبور صدام سدة الحكم وافتتاح فترة حكمه بإعدام أكثر من (30) قيادياً بعثياً بحجية التأمر بالتخطيط من حافظ الأسد ثم تبدأ الحرب مع ايران ولمدة (8) سنوات المعارضة الشيعية العراقية تتوزع في الملاجئ بين طهران ودمشق وبيروت وعواصم الدول الغربية (حصراً) ويستلم السلطة بشار الأسد بعد وفاة ابيه حافظ (وبطريقة الوراثة العربية).

تبقى المعادلة صعبة وعصية على الفهم، ايران ضد البعث العراقي وتحارب بشتى السبل لكنها (اي ايران) مع البعث السوري والمعارضين الشيعة العراقيين.

يحتل العراق من قبل الجيش الامريكي عام 2003 وحصل ما حصل تسوء العلاقة مجدداً بين حكام العراق وسوريا ثم بصورة مفاجئة تتحسن العلاقات (بقدرة قادر) يبقى السؤال المحير ان البعث فاشي وعميل لاميركا ودول الغرب وعلى لسان قادته ( جئنا للحكم بقطار قاطرة اميركية)  والبعث هو البعث عراقياً كان ام سورياً، ما الذي يميز بعث سوريا عن بعض الاخرين حتى تكون لإيران وحزب الله اللبناني وصقور الاسلام السياسي في العراق علاقات طيبة..

هنا لابد ان يطمئن قلب الحلاق الثرثار ونقول له ان بغداد حتماً ستعود يوماً ما متألقه رغم كل الخراب والهوس اللذين يسكنان ارواح ولاتها وستعيد مجدها وجمالها ولياليها في هذا الزمن المر حيث الخراب الذي يسكن الارواح لن يمكن اولي الامر فيها ان يتصوروا شكل بغداد البهي والجميل، هؤلاء لن يتمكنوا من تبديل ارواحهم المهووسة بالسواد والخوف من الفرح والخشية والرعب من الألوان والورود والموسيقى والجمال والحياة والحب ما يكرهون المرأة مثلما يرتعبون من الغناء وتمايل الاجساد حيث لا يمكنهم الفكاك من ارواحهم الهرمة والمسكونة بالعقد مهما تبدلت الازمان والاماكن

وبغداد لها الألق والنور ولإعدائها الجحور والظلام

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان