حوارات وتحقيقات

بحلول موسم الصيف.. العراق بحاجة الى وقفة جادة من المجتمع الدولي لمساعدته بالحصول على حصته من المياه

عرف العراق منذ آلاف السنين بأرض السواد كناية بكثافة البساط الأخضر الذي كان يغطي أرضه المعطاء ، والأشهر من أرض السواد تسمية العراق بلاد ما بين النهرين التي تعود كذلك الى آلاف السنين. وعلى ضفاف هذين النهرين العظيمين (دجلة والفرات) حيث شيد العراقيون القدامى حضارات ما زالت آثارها شاهدا على إبداعه , ولكن عوامل الطبيعة تضافرت مع سدود دول الجوار فأحالت العراق بلدا يعاني من العطش أرضا وشعبا وإن إنخفاض منسوب المياه في نهري دجلة والفرات وروافدهما كانت له آثار كارثية على توليد الطاقة من المحطات الكهرومائية وعلى الإنتاج الزراعي المتعثر أصلا. وإنحسر الماء في شرايين العراق حتى إن الفلاح العراقي أصبح متفرجا على أطفال القرية يلعبون الكرة في حقوله اليابسة إزاء هذا الوضع توجه العراق الى دول الجوار أكثر من مرة وبالطرق الدبلوماسية طالبا أن يزيدوا حصته المائية من نهري دجلة والفرات اللذين ينبعان من جنوب شرقي تركيا , فيما يمر نهر الفرات بالأراضي السورية قبل الوصول الى العراق . كما تدخل أراضي العراق روافد منابعها من غرب إيران . 

المسؤولون العراقيون يسلِّمون بأن الجفاف الذي ضرب المنطقة مقترنا بالنمو السكاني وغياب سياسة علمية فاعلة لإدارة الموارد المائية أسهم في أزمة الماء الحالية. ولكن المسؤولين ينحون أيضا باللائمة على تركيا وسوريا وإيران لقيام هذه الدول بتخفيض معدلات تدفق الماء الى العراق بالسدود وغيرها من المنشآت المائية . 

تحقيق : محمد الموسوي

ويرى مراقبون إن النزاعات المائية تهدد بتقويض ما أنجزته الحكومة العراقية في بناء علاقات ودية مع دول الجوار له ، وتعقيد جهودها الرامية الى إشاعة الإستقرار والأمن . وفي هذا الشأن يقول حميد بهية المختص بالموارد المائية إن تزايد الحاجة الى الماء في البلدان المجاورة للعراق يجعل توزيع الموارد المائية توزيعا عادلا ، مصدر نزاعات يمكن أن تنفجر في أي وقت والسبب الآخر هو قيام الجانب التركي بإنشاء سدود على نهري دجلة والفرات وكذلك قيام سوريا بنفس الخطوة بإنشاء سدود على نهر الفرات المار على أراضيها سبب تقليص حصة العراق الرسمية من المياه الى أراضيه رغم وجود إتفاقيات دولية  بين الدول المتشاطئة يعطى على أثرها كل دولة حصتها المائية .  

مؤكد إنها ستكون واحدة من أخطر المشاكل التي ستواجه منطقة الشرق في المستقبل. وهي مشكلة تنطوي على خطر إندلاع حرب المياه ويشعلها نقص الماء والجفاف والنمو السكاني المتزايد في العراق حاليا .

لقد عمدت تركيا ، والى حد ما سوريا ، وبدرجة أكبر إيران ، الى خفض كميات الماء التي تتدفق الى العراق. ونتيجة لذلك لا يحصل العراق على ما يكفي من الماء في الوقت الحاضر لولا عناية رب العالمين بزيادة كمية الأمطار التي تسببت بفيضانات في دول الجوار مما أضطرهم الى ضخ كميات كبيرة من المياه بإتجاه العراق ليتخلصوا من المياه الزائدة . 

وقال خبراء إن العراق تقدر حاجته الى الماء ستزداد بنسبة 50 % بحلول عام 2015 في حين من المتوقع أن يستمر ما يصل إليه الآن في الانخفاض مع بناء مزيد من السدود والأنفاق التي تغيِّر مجرى الماء أو التخطيط لبنائها في إطار مشروع جنوب شرق الأناضول التركي

سد أتاتورك على نهر الفرات في تركيا

وتفيد تقارير حديثة تؤكد إن سد أتاتورك الذي أُنجز بناؤه في تركيا عام 1993 تسبب في  إنخفاض ماء الفرات بنسبة 20 % . ويقول خبراء الموارد المائية إن سد ( أليسو) التركي الذي بدأ العمل على إنشائه عام 2006 على نهر دجلة سيحرم العراق عند إنجازه من ثلث أراضيه الصالحة للزراعة

وأضاف الخبراء إن سوريا أيضا لديها سد على نهر الفرات هو سد (طبقة) الذي أثر هو الآخر على نقص المياه من نهر الفرات الواصلة الى الأراضي العراقية حاليا , فيما قامت إيران بإنشاء عددا من السدود على الأنهر التي تغذي نهر دجلة في الوقت الحاضر, كما قامت بتحويل مجرى نهر الكارون الذي كان يصب في شط العرب عند ملتقى دجلة والفرات 

وقال مدير زراعة محافظة بابل حسين حسوني الذي أجمل الوضع في هذه الصورة بالقاتمة وتحتاج الى جهد دولي وتحرك المجتمع الدولي لمساعدة العراق قبل موسم الصيف القادم الذي يحتاج إليه الفلاح العراقي أكثر من كل مواسم السنة . 

وهذا الوضع دفع محافظ بابل الى توجيه دعوة عبر وسائل الإعلام المختلفة ومناشدة المجتمع الدولي التدخل لإنتشال العراق من وضعه المأساوي بسبب تقليل حصة المائية حسب قانون دولي بتوزيع الحصة المائية بالتساوي بين الدول المتشاطئة وحسب الإتفاقيات المبرمة مع تلك الدول . 

يذكر إن عددا من المسؤولين العراقيين ومن مستويات عالية في الدولة قامت بزيارة للدول المجاورة ومنها تركيا وسوريا وإيران لبحث قضية المياه الدولية مع إعطاء العراق حصته العادلة .  

وفي الثالث من أيلول في العام 2012 عُقد في أنقرة إجتماع على مستوى الوزراء بين العراق وتركيا وسوريا ولكن الإجتماع إنتهى دون أن يتمكن العراق من إقناع تلك الدول المتشاطئة بزيادة إطلاقات المياه في نهري دجلة والفرات. ويؤكد المسؤولين العراقيين إن الجانب التركي لا تعطي العراق حصة كافية من الماء وأشاروا الى إن سوريا من جانبها لا تطلق الكمية المطلوبة من ماء نهر الفرات الى العراق بصورة عادلة . 

وعقدت خلال العام الماضي عدة إجتماعات أتفقوا على إقامة محطات مشتركة لقياس كميات الماء المتدفقة ومراقبتها وتبادل المعلومات بشأن الأحوال المناخية والجفاف وتنفيذ برامج توعية مائية مشتركة.

في غضون ذلك تستمر معاناة المزارع العراقي ويستمر هلاك حيواناته وأسماكه وتبقى أرض العراق عطشى تأكل الأملاح أديمها ليمحو دول الجوار إسم العراق القديم بأرض السواد .

أزمة المياه في العراق بسبب سوء التخطيط وغياب التنسيق

أكد وزير التخطيط علي يوسف الشكري إن مسحا ميدانيا أجراه الجهاز المركزي للإحصاء التابع للوزارة مؤخرا كشف عن إن 21 % من سكان المدن العراقية لا يحصلون على مياه صالحة للشرب، وترتفع النسبة في الأرياف لتصل الى 40 %. ولم يعلق الوزير على الأرقام التي أوردها وأكتفى بالقول إن هذا المسح الذي نفذ بالتنسيق مع منظمة اليونسيف والاتحاد الأوربي سيساعد العراق في وضع السياسات المناسبة لتغيير الواقع البيئي وتحسين الواقع الصحي والمعيشي للمواطن العراقي .

وقبل أيام بينت أوساط سياسية حكومية في بغداد من أن كمية المياه الداخلة الى العراق ستنخفض الى النصف في صيف هذا العام 2014 بسبب سياسات الدول المتشاطئة على نهري دجلة والفرات، وهي تركيا وسوريا والعراق المتضرر الوحيد من نقص المياه .

فيما أكد المهندس عدنان الحسيني مدير الموارد المائية في بابل إن أزمة المياه في العراق ليست بالقضية الجديدة، فالتجاذبات والتقاطعات والخلافات بين العراق والدول المجاورة تعود الى فترات زمنية طويلة شهدت خلالها أبرام العديد من الأتفاقيات والبروتوكولات تم تنفيذ بعضها في حين بقي البعض الآخر حبرا على ورق لأسباب سياسية وأمنية كانت غالبا ما تلقي بظلالها على العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الأطراف المعنية. موضحا إن مجمل الدراسات والبحوث تذهب الى إن الأزمة الحقيقية التي سوف تواجهها شعوب المنطقة خلال العقود القليلة القادمة هي أزمة المياه أو حرب مياه وهي ورقة تستخدمها خصوصا تركيا على العراق لمآرب سياسية كثيرة، فأنه من الطبيعي جدا أن يكون العراق أحد أبرز الأطراف المتأثرة بالأزمة، مبينا إن العراق فيه نهرين هما دجلة والفرات يعدان من الأنهار الدولية، حيث إن منابعهما تقع خارج العراق، ويمتدان لمسافات غير قليلة في الأراضي التركية(نهر دجلة ينبع من تركيا ويدخل العراق مباشرة) ونهر الفرات ينبع في جنوب تركيا أيضا ويدخل الأراضي السورية ثم يدخل الى العراق ليصبان في شط العرب في محافظة البصرة .

مؤكدا إن هذا العام والعام الماضي شهدا كثيرا من التشنجات والاحتقانات بين العراق وجيرانه بسبب المياه، لتضاف أزمة أخرى للأزمات المزمنة في المشهد العراقي داخليا وخارجيا ومنها الأزمة الأمنية مع المجاميع الإرهابية المسلحة .

ويرى متخصصون في شؤون المياه والقانون الدولي وسياسيون إن السياسات المائية لدول الجوار العراقي التي تتشارك مع العراق في الأنهار تتميز بقدر غير قليل من الإستغلال وفرض الأمر الواقع وعدم مراعاة ظروف العراق الحالية وموسم الصيف على الأبواب وأحتياجاته من المياه سواء لأغراض شتى منها تصفية المياه لكي يكون صالح للشرب وقسم للزراعة أو لأغراض الأستهلاك الأخرى، وإن الحصة المائية الداخلة الى العراق من جهة سوريا أقل من (200 م3/ثانية) في حين إن الاتفاق الدولي بحسب تصريحات المسؤولين العراقيين هو (500م3/ ثانية) بنسبة 58 % للعراق و42 % لسوريا على إعتبار إن مساحة العراق وأراضيه الزراعية أكبر إضافة الى زيادة في عدد السكان في العراق . وأكد المراقبون إنه بالرغم من الاتفاقيات الثلاثية والثنائية التي عقدت بين العراق وسوريا وتركيا منذ عام 1920 لتقسيم المياه فيما بينها والى الآن على أن تكون حصة العراق (500م3/ثانية) حسب الأتفاقيات الموقعة من قبل كل الدول المتشاطئة والتي كان آخرها عام 2008 بين رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي ورئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان خلال زيارته للعراق وبالرغم من معاهدة الصلح بين تركيا والحلفاء والتي عقدت في لوزان عام 1923 وهي اتفاقية متعددة الأطراف تضمنت نصا خاصا يتعلق بمياه نهري دجلة والفرات جاء في المادة (109) من هذه الاتفاقية الذي لا يسمح لأية دولة من هذه الدول الثلاث بأقامة سد أو خزان أو تحويل مجرى نهر دون أن تعقد جلسة مشتركة مع الدول المتشاطئة وتستشيرها لضمان عدم إلحاق الأذى بها، إلا إن الجانب التركي واصل نقضه لجميع الاتفاقيات وقام ببناء 23 سدا آخرها سد (ليسو دام ) في منطقة ( حسن كييف ) التي يقطنها الأكراد والذي يبلغ ارتفاع منسوب المياه فيه أكثر من (60) مترا، حيث سيكتمل بناؤه في هذا العام 2014 ليصادر أكثر من 50 % من مياه نهر دجلة ليصبح هو الآخر شحيحا كنهر الفرات الذي صادره سد أتاتورك التركي بنسبة كبيرة من مياهه تصل الى أكثر من 60 % .

وأوضح المراقبون في الشأن المائي إن هناك من يرى إن العراق يتحمل القسط الأكبر من مسؤولية أزمة المياه لديه، بل إن البعض لا يرى وجود أزمة حقيقية بهذا المعنى، مؤكدين إن الأزمة الحالية هي أزمة سياسات صحيحة تكفل إستثمار المياه بصورة علمية وصحيحة. فهناك تقارير لجهات دولية ومحلية تؤكد إن الحروب والنزعات المسلحة طيلة ثلاثة عقود من الزمن في العراق أدت الى تقويض نظام إدارة الموارد المائية الذي تسبب بدوره في إنحسار الأراضي الزراعية وموت الكثير من المحاصيل أو إنخفاض كمياتها الى حد كبير كما هو الحال مع أشجار النخيل والحمضيات والقمح والشعير، وترك أعداد كبيرة من المزارعين والفلاحين مهنتهم والإتجاه الى مهن أخرى تدر عليهم مدخولات مالية أفضل لهم ولعوائلهم .

ويقول الخبير الإقتصادي سعد محمد حسين إن الأمن الغذائي العراقي يعد مهددا خاصة إذا ما نظرنا إلى إن الإنتاج المحلي الكلي من الحبوب بكافة أنواعها سنويا لا تصل إلى مليونين طن فيما يحتاج سنويا إلى سبعة ملايين طن سنويا ، وهنا يجب أن تعمل الحكومة المركزية من الآن على التخطيط ضمن مشاريع كبيرة لإيصال العراق للإكتفاء الذاتي من الحبوب على الأقل وهذا لن يتحقق إلا من خلال خطة خمسية وعرض القطاع الزراعي للإستثمار ، إضافة الى إعطاء الشركات التركية هذا القطاع هو أمر مهم ويحتاجه العراق لضمان حصة كافية من المياه أو عبر شركات عراقية مع شريك تركي وحتى دخول الحكومة كشريك أيضا ، كما لا يجب التخلي عن المشاريع الزراعية الصغيرة . مبينا إن مشكلة المياه ستحل عبر البدء باستخدام التقنيات الحديثة وترك القديمة التي تهدر كميات كبيرة من المياه في غير محلها في الري, وأن الاستخدامات غير المقننة ولا المنظمة للمياه من قبل المواطنين، لمختلف الأغراض يعد من العوامل المساهمة في حدوث مشاكل في هذا المجال. ولكي لا نقع في خطأ حينما نقول إن أزمة المياه في العراق ذات أبعاد داخلية وأبعاد خارجية، والتركيز على أحداها وأهمال الأخرى لن يفضي الى أي حلول واقعية وعملية، وربما تواجه الدول الأخرى نفس الشيء، فعلى سبيل المثال لا الحصر إن إنخفاض منسوب مياه بعض الأنهار الصغيرة التي تنبع من الأراضي الإيرانية أو وقف تدفق المياه فيها لا يعود الى أسباب سياسية بحتة مثلما يصور البعض، وإنما هو مرتبط بإنخفاض معدلات المياه من المنابع جراء قلة الأمطار بالدرجة الأساس في تلك المناطق .

إن الحلول ومعالجات لا تنطلق من رؤى وتصورات إستراتيجية لأزمة المياه في العراق، وتستند الى الحقائق والمعطيات القائمة على أرض الواقع، فأنها ستكون عبثية، والأمر الخطير هو حينما تعلق الأزمة على شماعات الآخرين وكأنه لا جذور ولا خلفيات لها في البلاد، وتأكد الأرقام المقلقة التي ذكرها وزير التخطيط عن نسب سكان المدن والأرياف العراقية المذكورة أعلاه من الذين لا يحصلون على الماء الصالح للشرب، ترتبط بسوء أو غياب التخطيط أكثر من إرتباطها بقلة المياه، وتلك الأرقام ليست وليدة الأمس أو اليوم بل إنها قديمة وحديثة مستمرة حسب الظروف السياسية في البلدان المتشاطة !. والحل الوحيد هو من خلال الحوارات المتبادلة بإشراف منظمة الأمم المتحدة وفروعها لحل أمة المياه قبل حدوث كوارث طبيعية وإنسانية وحروب لا يحمد عقباه إضافة الى حروب إقتصادية يتضرر بها كل الأطراف المتشاطئة , فالعودة للإتفاقيات الموقعة بين تلك الدول الثلاث حول الحل الأسلم والأنسب لشعوب تلك الدول وأمنها .

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان