كتاب الحقيقة

ليس رثاءً للمقداد..!!

عدنان الفضلي

 
  مختنق أنا ومختنقة هي الحروف، لذلك أستغرق مني هذا العمود كثيرا من الدمع حتى إنتهيت من تسطير مفرداته، التي لا أظنها كافية أو وافية بحق إبني وصديقي وزميلي الذي فقدته فجأة (مقداد)، فكيف لمفردة ان تستقر برأسي وكل من حولي يعيشون الدهشة وحالة من الحزن الكبير مصحوبة بالصدمة غير المتوقعة.
نعم ..! لا أظن ان أحداً ما فكر ولو للحظة ان هذا الفتى السومري المترع بالصحة والفرح والمليء بالنشاط ان يسقط فجأة في بئر الغياب ويصبح في عداد الراحلين الأبديين، ولا يمكن أبداً تخيل المساحة التي كان يشغلها في الجريدة وقد خلت تماماً من حركته الدؤوبة، فقد كان ورغم قلة خبرته في العمل الصحفي، يعمل على سدّ كل نقص يمكن ان تواجهه هيئة تحرير الجريدة، فهو يحرص تماماً على ان يجعل الآخرين يعملون بإسترخاء كونه محصنا ضد (آفة التململ)، وبعيدا جداً عن حالة التذمر التي تصيب كثيرا من الصحفيين أصحاب الأمزجة المعكّرة.
(مقداد حسن) العراقي – الوطني – اليساري – الشيوعي – الطيب – الشجاع – المسالم – الضاحك – المشاكس – الخلوق – الممتلك لمساحة مقبولة من الثقافة والوعي، كان من ألذّ الصحفيين الشباب الذين عملوا معي وعملت معهم، وربما وحده من بينهم من كان يقول لي (يا أبي)، وكان يعيش هذه المفردة تماماً، فهو لا يخبئ عني حتى أدق خصوصياته، وكان مطيعاً لي بشكل كبير في العمل وخارج مقر الجريدة، ويتحمل مني قسوتي عليه في العمل، لدرجة ان كثيرا من الزملاء كانوا يتساءلون عن سرّ هذه الطاعة العمياء، فيما انها ليست بسرّ، بقدر ما هو نوع من أنواع التلاحم الفكري والإجتماعي الذي كان يجمعنا.
   مقداد.. فرض نفسه محبوباً على جميع زملائه في الجريدة، من خلال أخلاقه العالية في التعامل معهم، وكذلك من خلال مثابرته في العمل، حتى ان الزميل رئيس التحرير كان يثق به كثيراً ويكلفه بمهام صحفية لعلمه انه الأحرص على تنفيذها، فهو عاشق لصحيفته ومكان عمله، حيث تجده أول من يدخل الصحيفة صباحاً وآخر من يغادرها، وهذه المحبة لم يزرعها في مقر الصحيفة فقط، بل كانت في كل مكان يتواجد فيه هذا المقداد.
   مقداد.. لا يمكن ان نكتب عنه رثاءً بقدر ما نعمل ونحرص على إستذكاره وإستدعاء شخصيته المحبوبة اللذيذة، حتى نبقيه بجانبنا، يمنحنا لحظات من الفرح والاسترخاء، ويجعلنا نشعر به وهو يعيش بيننا من دون ان نشعر بانه قد غاب عنا.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان