عادل عبد المهدي
الديمقراطية تبدأ بفوضى وخلافات، ويعتمد نجاحها على تحولها الى نظام يصرف وجهات النظر المتعددة، كما تصرف القنوات والسدود، السيول القادمة لتصبح نافعة وغير ضارة، ليقام نظام متين له اسسه وتقاليده..
والدكتاتورية تبدأ بنظام مدروس متكامل، له ايديولوجياته المطلقة، ثم تتحول الى فوضى، وسيول مدمرة. الديمقراطية لا تظهر فجأة وتحتاج لاجيال وعقود لتبني نفسها، اما الدكتاتورية فهي امر واقع، او تأتي فجأة، ولا تحتاج سوى الى سنوات لترسخ اركان نظامها الظالم..الديمقراطية تظهر تناقضات الواقع والمرض وتضعه تحت المجهر فيصبح العلاج ممكناً.. والدكتاتورية تخفي تناقضات الواقع وتنكر وجود المرض، فيزداد التناقض ويستفحل المرض. الديمقراطية طبيعتها الاختلاف والمعارضة فتتبعثر الاصوات ولا تظهر قوة الكل.. والدكتاتورية طبيعتها الرأي الواحد ومنع الرأي الاخر، فيبدو الصوت الواحد وكأنه كل الاصوات. الديمقراطية، كالطبيعة، تصحح نفسها بنفسها، وتتعلم من تجاربها، فتتراكم ببطء المنجزات.. والدكتاتورية عجولة تنكر تجارب من سبقها او غيرها، وتفرض شروطاً غير طبيعية، فلا اصلاح ذاتي بل الاصلاح يقرره، او يعطله القائد فقط. الديمقراطية هي التداول السلمي للسلطة، وهي ليست الانتخابات التي تخيف الحكام،فقط، بل ايضاً التقاليد والمؤسسات واولوية الشعب وحكم الدستور.. والدكتاتورية هي التداول العنيف للسلطة، وقيمومة القائد على الشعب والدستور وتقاليد وضوابط العمل والمؤسسات، والانتخابات فيها، مضمونة النتائج 99.9% للحاكم، لكنها ترعب الجمهور، ان لم يشارك فيها. الديمقراطية تبدو ضعيفة، وكأنها ستنهار قريباً، لكنها اصلب واقوى مما تظهر عليه.. والدكتاتورية تبدو جبارة وقوية، باقية وابدية، لكنها اضعف بكثير مما هي عليه، وتنهار فجأة كأي بنيان منخورة اسسه. الديمقراطية عند انهيارها، لسبب او اخر، فخيارات الجمهور السقوط مجدداً في الدكتاتورية او الفوضى، لهذا غالباً ما سيتشبث الشعب بخيار العودة للديمقراطية.. اما الدكتاتورية، فلا يتشبث بها سوى من لم يعش مآسيها، او لديه مرض الحنين الكاذب، كحملة الفكر النازي او النظام السابق او الفترات المظلمة من تاريخنا، فان انهارت فلا طريق سوى الفوضى او العودة الى الديمقراطية.
وفي العراق، ونحن وسط التناقضات والحريات التي تقترب من الفوضى،نقف بين بناء نظام ديمقراطي مؤسساتي دستوري حقيقي يحفظ لنا ثوابتنا الدينية والوطنية.. او الفوضى المدمرة التي تأكل الاخضر واليابس، والتي لا مآل حقيقي لها سوى العودة للانظمة الدكتاتورية والاستبدادية.





