عبد المنعم الاعسم
يبدو أننا، ومنذ الخروج من نفق الدكتاتورية الطويل العام 2003 كنا نركض في اتجاهات مختلفة، بحمية وانفعال، ما يمكن القول ان الوقت حان الى تدقيق عدتنا السياسية..الى “دش” من الماء الفاتر يزيل وعثاء الصراعات ورحلة المجهول من على كاهلنا، ونزاول لعبة الامل، الامل في الاقل، لادارة الخيارات وتصويب المخاضات وان تكون البلاد ضفافا للرخاء بكفالة الحياة الدستورية.
ولكي نجعل من هذه اللعبة وصفة طيبة لاحوالنا العليلية نلوذ باحكام السياسة التي تشطب المستحيلات، وقبل هذا نحتاج ان نقف على معنى السياسة التي قال المؤرخ الشهرستاني ان القدماء منا أهدرت الدماء لاغراضها أكثر مما اهدرتها لأي غرض آخر.. فهي سوس القوم الى مورد الماء، وهي مطبخ للمأكولات الصالحة والملوثة، وهي فن الممكن، أو رصد هبوب الرياح، أو هي شيطان إذا ما عجز عن الفتنة طلب العون من البشر انفسهم، وهي صنعة..وكما يقول العراقيون في امثالهم “الصنعة أم حنينة” و”صنعة بلا ستاد آخرها الى فساد” و”الصنعة محبس ذهب”.
وقبل هذا وذاك، ينبغي ان نحسم الجدل حول ما إذا كان للسياسة بُعد اخلاقي كما ذهب أرسطو (واقتفاه ابن المقفع) إذْ قربها من علم الاجتماع، أم هي داعرة، كما يخالها ميكافيلي (والتحق به صدام) حين يعطي الحق للحكام أن يمدوها على قدر اسرّتهم، فيما حذرنا ابن طباطبا من خلط المنحى الاخلاقي بالمناحي الفلسفية أو الفقهية أو الاجتماعية أو الدينية، ودعانا الى احترام الحدود التي تتحرك فيها فرضيات السياسة وموجبات الاجتهاد في علومها.
حاجتنا الى ترصين مفاهيم السياسة وتنقيتها من الشوائب ضرورية بعدما دخلت الملايين العراقية الغفيرة هذا الميدان من ابواب الكوابيس والمحن والمذابح التي عاشتها وليس من ابواب الصالونات والزوايا المخملية، وبسبب الغبار الذي هب على الساحة والفوضى التي ضربت التعريفات المدرسية للسياسة استسهل الكثيرون تغيير جلودهم، في اليوم خمس مرات على عدد آذان الصلاة، وطبعا ثمة غيرهم كثيرون، من النبلاء والفرسان واصحاب الضمائر النقية عدّوها ساحة للحرب من اجل الحرية، وقد افتدت اجيال منهم ارواحها في سبيل هذا الحلم النبيل.
حاجتنا الى الاسترخاء والمراجعة تدعونا ان نتأمل تجارب الشعوب الاخرى التي شارفت على الاستقالة من التاريخ ثم استأنفت مسيرتها. التجربة الكمبودية سبقتنا الى امتحان التغيير، فقد ارسل بول بوت، عندما استلم السلطة العام 1975، مليونين من المغلوبين على امرهم الى معسكرات عمل وحرب لم يعد منهم سوى مئات، لكن الكمبوديين بعد سقوط صنمهم اخذوا استرخاء كانوا بحاجة اليه لكي يتوازنوا، وينسجموا مع استحقاق التغيير.. ثم بدأوا من العتبة الاولى: من السياسة بوصفها مختبر التغيير، لكن ليس قبل ان يطردوا من ساحتها اولئك الذين تاجروا بالدماء، وأثروا منها.
“ لا تكن كالديك الذي يعتقد بأن الشمس ما اشرقت الا لتسمع صياحه“
حكمة يتناقلها الهنود الحمر





