كتاب الحقيقة

قال لي دانيال: أنا سعيد بحياتي البسيطة هذه

حازم لعيبي

 
لماذا يَصِرّ مهاجر ومنفي عراقي يعيش في أميركا بالانشغال في الوضع العراقي الملتبس سياسياً، والمتقهقهر اجتماعياً ،و”المتعلعل” اقتصادياً، والطائفي دينياً، وعلى ما يبدو وبسبب هذا الانشغال تراني غالباً ما أعاني من قلق وصداع دائم وقلة نوم، لذلك فأقراص مُسكّن الالام ترافقني اينما حللت واتناولها مباشرة بُعَيدَ نشرات الاخبار العراقية المأساوية والمحبطة، فأنا وللأسف قد أدمنتُ على سماع كل شاردة وواردة من اخبار بلاد ما بين النهرين من مصادر مختلفة اهمها وسائل التواصل الاجتماعي والتلفاز بقنواته العربية والعراقية كما يفعل غيري على الاغلب الاعم.
 واليوم أدعو بخشوع وتوسّل اللطيف الخبير المجيب أن يخلص أمثالي من حالة الادمان هذه، فالاشكال كما يبدو صار جاداً ومقلقاً وتحوّل الى علةٍ في جسد ما بعد الخمسين، وانا وأعوذ بالله من الانا المريضة المهووسة بأمس الحاجة لمرشد وناصح يستعجلني بحلول معقولة ومتوافرة او حتى مجرّبة وذات فاعلية ايجابية لانقاذي مما انا فيه. وسأستنجد بالايادي الحنونة والعطوفة المتمكنة في اخراجي من مأزق العراق، شاغل العالمين وجاذب القتلة ومتصدر نشرات الاخبار العالمية. نعم الى كل الذين أعرفهم اوجه طلب المساعدة هذا، بدءاً بالعائلة مروراً بالاصدقاء المقربين غير المغتربين وغير المقربين المغتربين والمغتربين المقربين انتهاءً بطبيب العائلة والاخير كان قد قدّم لي قبل أشهر مجموعة من النصائح والارشادات ولم التزم بها إذ كان شرطهُ الرئيس تحاشي القنوات الفضائية العربية وكل متعلقاتها وفي هذا على ما أظن مبتغاي وأملي ورجائي، أي ان أتغافل وأدير رأسي عن كل الشؤون الخبرية في وسائل الاعلام والتي يتصدرها ما يحدث في عراق الحضارة ورفعة الراس لا وجعه.
وغاياتي من الابتعاد رغم صعوبة ذلك ان اكون اكثر حيوية ونشاطاً ومحبةً كما كنت سابقاً، وكل من عرفني وتعرف علي واقترب مني سواء الاصدقاء او الاقرباء او زملاء العمل خَبِرَ روح النكتة التي تميزني كما هو حال العراقيين من دون شك. انا الميال الى المتعة واللهو والعمل والمعرفة وفيها ومنها تكونت شخصيتي وبها سلكت طريق الحياة رافعا لشعار؛ ان العيش الأكثر أملاً سيلتصق به حتماً لغة التفاؤل ويجرجرها إليه، وان كل من يدور في هذه الحلقة الايجابية الحقة سيحول طاقة الجذب بفاعلية الى آخرين يحيطون به أو بها ويصار الى إرسالها الى دوائر قريبة أخرى وهكذا، والعكس صحيح فيما يخص الطاقة السلبية ووجع الرأس ….
وانا أتأفأف بسلبية غير معتادة مساء الخميس الماضي سألني صديقي “Daniel Cummings”: ما الامر صديقي اراك حزيناً مهموماً ليس كما عهدتك، اين ابتسامك العريضة؟ قبل أن أجيبه عن سؤاله المباشر هذا، ذهبت الى ما كان يشغلني من أحداث ويبدو اني قد أوجعت رأسه بآخر أخبار بلاد ما بين النهرين وحدثته عن داعش والارهاب و مستجدات التفجيرات وكيف شكلت حكومة المحاصصة. ومن دون مقدمة وبلا قصد توقفت لأسأله: هل تشاهد او تسمع الاخبار بشكل عام؟ ابتسم صديقي دانيال الذي كان يرتدي ملابس شبيهة بملابس الشرطة حيث يعمل في احدى شركات الامن في مطار سكاي هاربر ليرد علي بإجابة لم أكن اتوقعها ابداً حيث قال: انا لا اشاهد أية نشرة اخبار وليس لي بشأن الساسة والسياسة، ولا يهمني من التلفزيون سوى مشاهدة افلام الكارتون سواء الموجهة للصغار او افلام الانميشن الكارتونية الروائية المخصصة للكبار والصغار، واكثر ما أفضله وأعشقه افلام الكارتون اليابانية، والسبب جمالية الالوان وتنوعها وموضوعاتها الخيالية، ليكمل وكأنه يتحدث عن حبيبته؛ في الحقيقة ايها الصديق ” أنا سعيد بحياتي البسيطة هذه” وانا استمتع بهذا كثيرا وتساعدني ألافلام الكارتونية بطريقة ما على النوم والاسترخاء والابتعاد عن كل أنواع الاجهاد Stress. نعم، انا سعيد جداً، وافضل افلام الكارتون وتربية الكلاب وأحب عملي هذا جداً، وبعد أشهر سوف اتقاعد لأمارس متعتي هذه واشرع في رحلة التجوال والسفر حول العالم. “ولا دين ولا بأدين ولا دائش ولا مائش”، والجملة بين المزدوجين ما كنت قد علمت صديقي قوله في العربية وردده لي بلكنة مضحكة ولطيفة، فضحكنا سويةً ومن حينها وانا أفكر بوصفة وارشاد صديقي دانيال كامينگس الكارتونية عسى ان تجذبني بقوة وبالفعل الى سرير الراحة والطمأنينة، وحال نجاحها سوف أعلنها وبلا تردد ليجربها كل من هو مصاب بداء عراق ما بين النهرين، اللهم برداً وسلاماً لأهلينا أينما كانوا وأينما حلّوا.
 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان