كتاب الحقيقة

وداعاً (أبو عمر)

عدنان الفضلي

   ليس بجديد عليّ ان أعيش الفقد، فقد تدبّغ قلبي وكذلك عقلي على المصائب وصار يتقبل بسهولة أخبار الفقد، فبعد فقد الأحبة (غزوان، محمد درويش، أحمد المظفر، مقداد)، كنت أمني النفس ان لاأصقع بفقد آخر سريع ومحزن وموجع، لكن هذا القدر اللعين لايقبل ان يتركني أعيش شهراً خالياً من الوجع، وهاهو يسرق مني صديقاً عزيزاً في وقت كنا مازلنا نستجمع الفرح بعد عودته من رحلة علاجية خارج العراق كللت بنجاح عملية جراحية فوق الكبرى.
  قبل أكثر من شهرين عاد لنا صديقنا (عبد الكريم المنشد الشمري) من تلك الرحلة الخطيرة، وكنا سعداء حين زرناه في منزله، ووجدناه يتمتع بصحة جيدة ومعنويات مرتفعة جداً، وبعد شهر نقاهة عاود لقاءاته معنا في اتحاد الأدباء، لتعم الفرحة قلوب جميع أصدقائه، حين وجدوه وقد استعاد روح النكتة التي لا يجيدها غيره، كونه صانع فرح من الطراز الممتاز.
نعم..! كان (ابو عمر) واحدا من أجمل مصابيح جلساتنا وحواراتنا، كما انه يتمتع بمقبولية غير طبيعية لدى أغلب من يعرفه، كيف لا..! وهو ذلك المضيف الكبير والواسع الذي كان يضمنا أيام الغربة في سوريا، حين تحوّل بيته هناك الى ملتقى يضم الأدباء والفنانين والصحفيين الهاربين من القهر العراقي، وكان كريماً بل سخياً مع الجميع، فصار صديقاً لكل العراقيين الشرفاء هناك.
  ابو عمر ليس كريماً وحسب، فهو يتمتع بخصال كثيرة جعلته يعيش في قلوب الأصدقاء، فهو الشجاع جداً والوطني حد الهيام، والصادق حد اللا مجال لعدم تقبل طرحه، الطيب حد ان تظنه أحياناً يعيش بقلب طفل صغير، والوفي حد انه يتفقد كل صديق يشعر بغيابه عن جلساتنا، كما انه كان مثقفاً رغم تحفظه على كثير مما يطرحه بعض مثقفينا، وحين يجادل فانه يكون مقنعاً.
ابو عمر الذي فرحنا به وقد عاد الينا مستعيداً عافيته، لم يترك لنا فرصة ان نكمل فرحتنا به، فقد رضخ ثانية لوعكة صحية، وذهب الى إحدى مستشفيات العراق المميتة، وكان متفائلاً جداً، حتى اننا كنا مطمئنين جداً الى ان الأمر ليس بالخطير، قبل ان يرن عليّ هاتفه قبل أيام، ناقلاً لي الصدمة الجديدة حين بادرت بالقول: (هلو حبيبي ابو عموري)، فجاءني الخبر الصاعق على لسان ولده الأصغر (ليث) الذي ردّ علي بصوت مختنق (عمو حبيبك ابو عموري انطاك عمره قبل شويه)، ولن أكمل لكم ما حصل بعدها، لكني أختم الحديث بالقول (الف رحمة ونور على روحك ابو عموري)، وتعالوا لنقول معاً وداعاً (ابو عمر) ايها الكبير والخالد بقلوبنا وللأبد. 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان