كتاب الحقيقة

نحو (برلمان ثقافي) فاعل الحضور

د. علي حداد

  تنادى المثقفون العراقيون (من شعراء ونقاد وفنانين وكتّاب) قبل مدة لاجتماع عام كان محور انشغاله الأساس استباق الأحداث ، والدعوة ـ قبل تشكيل الحكومة ـ بإخراج (وزارة الثقافة) من المحاصصة التي جرى على وفقها توزيع المناصب الوزارية في الحكومات السابقة ، ومنح المثقفين فرصة إبداء الرأي والمشورة والتخير لمن ستسند إليه مهمة الأخذ بيد الركب الثقافي إلى حيث الطموح المنشود .

ولاشك في أن هذا التنادي كان يستظل في مسعاه بمشروعية التوجه الديمقراطي الذي يراد له أن يترسخ وتتوطد قيمه في المقبل من الأزمنة العراقية ، وينطلق نحو مرامٍ لا تريد إلا وجه الارتقاء بالفعل الثقافي ، وأن يتأكد للمثقف دوره الذي يطمح أن يكون فاعلاً في مجتمعه ومرحلته.

ولم يكن ذلك الحشد النبيل من المثقفين ليجتمع على غايات نفعية أو مطلبية فئوية، فالمثقفون الحقيقيون أنزه من أن يكونوا كذلك. لإن مايشغلهم أكثر من غيرهم هو  مسعى التجاوز لهموم اللحظة الدموية الراعفة المستبدة بالحياة والوطن والأهل والقيم وكل ماهو هوية وجود عراقي صميم، أراد له قالوه أن يكتسي بالعتمة والخراب ومسارب الدم الذي تواصل هطوله حتى شربته طيور السماء وهوامها، بعد أن شبعت الأرض منه. لقد كان ذلك الأمر يتأسس على اليقين أن حق المثقفين البحث عن الشخص الذي يأتمنونه على مقدرات بيتهم الثقافي، شخص يكون على قدر المسؤولية والمكانة والحضور والوعي بقيمة العمل الثقافي وجدوى فعله. 

وكان التفاؤل يسود الجمع الثقافي في هذه المرحلة التي بدت لهم مختلفة، منطلقين من ظنهم الذي لا إثم فيه أن أي سياسي يعي قيمة الثقافة وفعلها لايمكن له أن يدير ظهره لهذه الرؤية ويتجافى معها. وإذ تشكلت الحكومة الحالية، وذهبت وزارة الثقافة حصة من ذهبت إليه، ولم يأبه أحد لصداح المثقفين بآمالهم الذين شكلوا من أجلها وفوداً التقت بالمرجعيات السياسية العليا ، وأطالت لها شرح ألأسباب الموجبة لما تطالب به ، فلابد لأمر الثقافة أن يتكيف قنوعاً بالواقع السياسي الراهن واشتراطاته. ولكي يكون المسعى واقعياً فلاشك في أن أمر تحققه يبقى مرهوناً بطرفي المجادلة : القيادة الجديدة لوزارة الثقافة ـ من جهة ـ والمثقفين وما لديهم من مقدرات الجدل والتبرير والإقناع في إيصال رؤاهم وأفكارهم.  إن وضع الخطى على جادة فعل ثقافي جاد ينبني ـ في أول ماينبني عليه ـ على أن يدرك السياسي بداهة أن الثقافة ثروة وطنية لاتقل أهميتها عن الثروات الطبيعية التي حوتها أرضنا. ولهذه الثروة أناس عاملون عليها وفيها ، لابد من التوجه إليهم والإصغاء الجاد لدعاواهم، وهم أناس لايمكن تجاوز وجودهم إلا إذا تصورنا إمكانية أن تستغني وزارة النفط عن العاملين فيها، وتدعي أن حقولها النفطية  ستستمر منتجة، وإلا إذا غادرت وزارة الزراعة صلتها بالأرض والفلاح، وراحت تتحدث عن انتاج زراعي مثمر!. وبعد ذلك فلابد من إدراك أن وزارة الثقافة حلقة تنظيمية عليا لشؤون الثقافة بين منتجيها (المثقفين) ومتلقيها من أبناء المجتمع، ومن هنا فلا دور لها ولا يد منتجة إلا حين تتواصل مع المثقفين وتستوعب طاقاتهم وتتبنى أمالهم، وتشاركهم الطموح في انجاز مشاريعهم.

 وعلى هذا فليس كثيرا على من يتولى أمرها أن يعايش الهم الثقافي وتتشرب روحه بقيمه، وأن يستعين بالمثقفين ـ المثقفين الحقيقيين ـ لا أن يستجلب لها من يكون طارئاً عليها، أو ممن لا يفقه مستقرها ومسراها. إن أمر الثقافة العراقية والنهوض بها لا يتحدد بوجود شخصية مركزية واحدة مهما كان منصبها وتسيدها الإداري. لأن الثقافة فعل وانجاز تشكله ممارسات جمعية لفئات تتعدد بتعدد الاشتغالات المعرفية والجمالية في الثقافة .

وإذا كان ذلك ما يخص الجهة الثقافية الرسمية التي ندرك حدود ممكنها في الأداء ومقادير ما يتهيأ لها أن تنجزه فإن الشـأن اللصيق بالمثقفين أنفسهم هو أن يبحثوا عن الوسائل التي يمكن لها أن توطد مكانتهم وتستوعب جهودهم وترتقي بأدوارهم. وعندنا فإن جانباً مما يرومونه يمكن له أن يتحقق حين تتوحد جهودهم في ممارسة ثقافية غير حكومية يؤسسونها إلى جانب وزارة الثقافة، ويكرسون جهودهم في انضاج مكانتها وحضور فعلها الثقافي الدال عليهم.

 ولإجل هذه الغاية نقترح السعي إلى تشكيل مايمكن تسميته بـ (البرلمان الثقافي) الذي لايستنسخ تجارب سلفه السياسي، فلا هوية للمنتمين إليه غير هوية المنجز الثقافي وحده، ولا تحديد لعدد أعضائه إلا بحد الرغبة الجادة بالعمل فيه، ولا تستبد به فئة بدعاوى الأغلبية، ولا ينتظر الدالفون تحت مظلته رواتب أو مكاسب أو امتيازات. و(البرلمان الثقافي) هذا لايريد أن ينال من مكانة وأدوار أية جهة سياسية أو حكومية، بل لعله سيكون قوة معنوية تعاضد موقف الجهات الآخرى حين يكون مسعاها لصالح الوطن وبناء حاضر إنسانه ومستقبله.

 ولكنه لايتردد في أن يعلن موقفه وبصوت ضاج وبوسائل التعبير كلها حين يجد أن في توجهات الآخرين ما لايتبنى ذلك وينشده.  (البرلمان الثقافي) وحده من سيمنح المثقفين مقدرة التعبير الحقيقي عن مواقفهم، ويقربهم زلفى من الشارع والناس، ويرفع عنهم تهمة البروج العاجية التي طالما تصورهم الآخرون منزوين فيها, وهو يصنع منهم قوة ضاغطة على السياسي باتجاه أن يفعل مايريده أهله ويرتضيه وطنه، قوة نبيلة لها صوتها الذي لامصالح ولاوجاهات تتخفى خلفه. 

ليكن (البرلمان الثقافي ) دعوة.. ومحاولة.. ومسعى.

                            *  *  *   

* ومضة:

لاورد طري الرجفة لايحمله غصن متئد

لا أغنية من دون شفاه 

نترصد فيها شجن العاطفة الأولى.

مامعنى أن تضحك وحدك

في بئر يتغلغل بين ثنايا روحك

حتى يسكب فيها ملح الوحشة؟

ماقيمة ان تتملى صمت إطار

لاتصدح حنجرة اللون بباحته؟

المعنى أنصع 

حين وجودك معني بوجود سواك. 

 

alhaddad55@yahoo.com                                                                                                  

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان