عبد المنعم الاعسم
لايمكن النظر الى تعقيدات مواجهة مشروع داعش في العراق من دون فتح المشهد ذي الصلة بانقلاب مواقف الدول والكتل الدولية منذ اندلاع ثورة الربيع العربي على مصراعيه العام 2011 إذ اتخذت تلك الانقلابات مسارات مثيرة في غضون اربع سنوات.
فقد اكتشفت الولايات المتحدة، لكن بعد فوات الاوان، انها سهلت، في سوريا، لانتشار وتسويق تنظيم ارهابي مرتبط بالقاعدة (جبهة النصرة) سرعان ما تحول الى عائق لازاحة النظام، من جهة، والى بؤرة تهدد المصالح الامريكية وخططها في المنطقة، من جهة اخرى، وتكرر موقفها في دعم حزب الاخوان المسلمين في مصر، المصدر الايديولوجي الرئيسي للحركات الاصولية في المنطقة، ويعتبر الاستراتيجيون بان ادارة اوباما انقلبت على الثورة في تحشيدها لتحالف دولي ضد داعش.
الى ذلك تنظيم القاعدة الذي يتبنى الجهاد ضد الغرب في صلب مشروعه السياسي، كعدو رقم واحد، وجد نفسه في خندق واحد مع الغرب على الساحة السورية فلم يكن بمقدوره الانضمام الى السلطة السورية لمحاربة امريكا وحلفائها، الامر الذي ادى الى انشقاق فريق من مقاتليه (داعش) سرعان ما ابتلع الغالبية الساحقة من الجسم التنظيمي للقاعدة الذي بقي مواليا الى زعيمها الدولي ايمن الظواهري.
الى ذلك فان مواقف وأهواء المجموعة الخليجية دخلت في سلسلة من الانقلابات على ايقاع تطور الاحداث السورية، واستقرت بين مَن يخشى الدور المتزايد للمتطرفين الاسلاميين(السعودية) وبين من يرمي بكل ثقله الى جانب الجماعات الجهادية، وتتناقض مواقف هذه المجموعة من تسليح الجيش الحر ومن مشروع الحل السلمي في سوريا، فيما ادت الاحداث المصرية الاخيرة الى شق المجموعة الخليجية الى قطبين متناحرين، فـقطر مضت مع حزب الاخوان المسلمين الذي اطيح بحكمه وانحازت السعودية والامارات الى الحكم الجديد. أما حركة حماس الفلسطينية التي تحالفت مع دمشق وطهران وحزب الله طوال اكثر من عقدين من السنين، فقد انقلبت عليهما وايدت الثورة السورية، واقتربت بمسافات كبيرة من محرمات التعامل مع امريكا، ولعل اكثر آثار هذا الانقلاب يلاحظ في انهيار التنسيق مع حزب الله بمواجهة اسرائيل، فيما اتسمت المواقف الاسرائيلية، حيال الربيع العربي وتداعياته بالاضطراب، فقد تحمست اول الامر للثورة السورية، لكنها شعرت بالذعر من تنامي نفوذ الاسلاميين المتطرفين فيها، وفي الملف المصري اتخذت جانب الموقف الامريكي المناصر لحكم الاخوان، وارجاء التعامل مع الحكم الجديد حتى تتضح متانته وخططه بالنسبة لاتفاقية السلام بين الجانبين. اقول، كل هذه الانقلابات تتصل بصعود الارهاب الدولي، بكل اشكاله، ليكون قطبا في صراعات القرن الحادي والعشرين، وليس فقاعة كما يوهم البعض جمهوره.
بِذا قَضَتِ الأَيَّامُ ما بينَ أَهلِها
مَصائِبُ قَومٍ عِنْدَ قَومٍ فَوائِدُ
المتنبي





