مصطفى الهايم
قرار رئيس الوزراء حيدر العبادي بإلغاء مكتب القائد العام للقوات المسلحة ، خطوة لاقت ترحيبا واسعا من قبل مختلف الأوساط وفي مقدمتها العسكرية.. لكون هذا الإجراء كان ضروريا والجميع يترقب اتخاذه .وبلا أدنى شك فأن ما قام به العبادي يدل على صدق نوايا هذا الرجل بتصحيح مسار المؤسسة الأمنية والقضاء على بؤر الفساد المتنامية فيها .. وقد برز مكتب القائد العام للقوات المسلحة في ظل وجود قوات الاحتلال الاميركي ومن معها من قوات اجنبية.. ليصبح اعلى مؤسسة أمنية في البلاد حيث سرعان ما سحبت البساط من تحت أقدام وزارتي الدفاع والداخلية و تجاوز المكتب بصلاحياته الممنوحة حدود هاتين الوزارتين خلافا للدستور والأعراف العسكرية .. حيث اصبحت ادارة الملف الأمني وبضمنها قرارات تشكيل قيادات العمليات في مناطق وسط وجنوب وغرب وشمال البلاد وقرارات تنصيب وترقية قادة العمليات والفرق و أمراء الألوية والإفواج وقادة مديريات الشرطة وجهاز المخابرات الوطني وغيرها إضافة إلى قرارات استحداث الوحدات القتالية الخاصة ..كل هذه الحزمة الكبيرة من القرارات ذات الاهمية البالغة تتم بموافقة مكتب القائد العام ( حصرا ) ولا يحق لاي احد مهما كانت رتبته وموقعه في خارطة الدولة العراقية التدخل او ابداء الراي على اقل تقدير في اي من القرارت المتخذة. وخلقت تلك الصلاحيات حالة من التمايز المناصبي والفوارق الطبقية بين القيادات الامنية .. فظهرت قيادات مترفة تحظى بالدعم والسطوة غير المحدودين من قبل مكتب القائد العام..بالمقابل ظل الكثير من القادة الأمنيين الاكفاء ممن يمتلكون الخبرة والمهنيةوالنزاهة في دائرة الإهمال المتعمد وكأنهم يدفعون ثمن ابتعادهم عن ساحة مسح الاكتاف وتقديم الولاء والطاعة والهدايا الثمينة لمن تربطه علاقة بصاحب القرار في المكتب . ويجد المتابع لتطورات الاحداث ان مكتب القائد العام انحرف منذ وقت ليس بالقصير عن النهج الذي اراده المالكي له لحظة تشكيله ..فتحول بفعل بعض المتنفذين الى رأس لافعى الفساد التي تنخر في جسد القوات الامنية .وكان سببا بترهل وخواء الكثير من مفاصلها حتى وصلت بعض القوات المرتبطة قياداتها بالمكتب والمنصبه من قبله إلى أشد حالات الضعف وعدم القدرة على مواجهة التنظيمات الارهابية .. والدليل الذي عرفه القاصي والداني على ذلك .. الهزيمة التاريخية الاخيرة التي منيت بها القوات الأمنية عندما خسرت البلاد محافظة نينوى ثاني اكبر المدن العراقية اثر سقوطها بيد عصابات داعش الارهابية بين ليلة وضحاها .. حيث سلمت الموصل وأهلها إلى الارهابيين دون أي مواجهة تذكر من قبل قطعات الجيش والشرطة المنتشرة بكثافة في ام الربيعين وسط خيانة مؤكدة لكبار القادة العسكريين الذين لا يختلف اثنان على تورطهم بالتواطؤ مع التنظيمات التكفيرية باعتراف رئيس الوزراء السابق نوري المالكي وكبار المسؤولين الاخرين .. وهذه هي الحقيقة المؤلمة التي ستبقى ترددها الاجيال تلو الأجيال بغصة والم كبيرين.. فما حدث في الموصل وبعض المدن الأخرى التي سقطت بعد الموصل وضمها الدواعش إلى ولايات دولتهم اللااسلامية المزعومة يعد أكبر انهيار .. امني شهدته البلاد بعد سقوط نظام الطاغية هدام عام 2003 كذلك نجد انه وبالرغم من ارتفاع معدل الخروقات الأمنية بين الحين والاخر وثبوت فشل عشرات القادة بضبط امن قواطع مسؤولياتهم فأن مكتب القائد العام طالما كان يوفر الغطاء لهم ويتصدى بقوة لكل من يحاول مساءلتهم خصوصا داخل قبة البرلمان من دون علم المالكي .. كما أن عملية الحصول على المناصب القيادية في إحدى الوحدات العسكرية لا تمر إلا عبر بوابةالمكتب وقد اصبحت مرهونة في اغلب الاوقات بالقدرة المالية لمن يريد الظفر بأي منصب يختاره هذا الضابط أو ذاك وفي مقدمتها المناصب (الربحية ) بدءا من قائد الفرقة مرورا بامر اللواء وصولا الى امر الفوج الى غير ذلك من مناصب .. وهناك تسعيره توضع أمام الطامحين لنيل أحد تلك المناصب.. وهذا الأمر أسهم كثيرا بإضعاف قدرة البناء المهني وزرع حاجز فقدان الثقة بين المقاتلين وقياداتهم من الضباط الفاسدين داخل الوحدات العسكرية.. اذ تجد ان أمر الوحدة الفلانية الذي اشترى منصبه من بورصة بيع وشراء المناصب بمبالغ طائلة تصل إلى عشرات الآلاف من الدولارات .. تجده منشغلا ومنهمكا بحساب ما سيحصل عليه نهاية كل شهر من اموال تجمع بواسطة احد من افراد حاشيته من خلال موارد وحدته العسكرية المتكونة من ( الفضائيين ) وهم الجنود الذين يدفعون جزءا من رواتبهم بحجة التبرع مقابل الحصول على إجازات محددة أو مفتوحة بحسب السعر الموضوع والاتفاق المبرم بين الطرفين .. اما الموارد الأخرى فهي حصة المشتقات النفطية من مادتي ( الغاز والبنزين ) المخصصة لجميع الوحدات العسكرية والتي تذهب من جيب إلى جيب وصولا للمتنفذ الأكبر هذا إلى جانب المبالغ التي تستحصل من أصحاب ( الكراجات) غير القانونية إلى جانب عمليات استيفاء المبالغ من أصحاب سيارات نقل المشتقات النفطية (الصهاريج) وأصحاب سيارات الحمل الكبيرة والمتوسطة وغيرها من موارد .. وكل قائد( ربحي) يحتسب فائدته مسبقا من خلال مساحة قاطع مسؤولية وحدته العسكرية .. فإذا كانت داخل منطقة سكنية تختلف مواردها بكل تأكيد عن المناطق التي تتواجد فيها قرى زراعية ومناطق صناعية ..وهنا لابد من الإشادة بخطوة العبادي الشجاعة بإلغاء مكتب القائد العام للقوات المسلحة لكونها بالفعل خطوة اولى للحرب ضد افعى الفساد التي نجح العبادي بقطع رأسها لكن الطريق ما زال أمامه طويلا لإنهاء هذا الملف .. وبموازاة هذه الخطوة على العبادي اتخاذ خطوة اخرى لدعم المؤسسة الامنية واعادة تأهيلها وهي استقطاب الضباط الاكفاء الذين ركنوا على جنب خلال السنوات السابقة ومنهم من لازم منزله بسبب نزاهتهم ومهنيتهم وإعطاؤهم فرصة العمل الوطني لدحر الإرهاب وهم بالمئات.





