صباح الخطاط
ليست مصادفة ان يزدهر خط الحرف العربي في العراق وابن مقله والبواب هما صنوان الحرف والكل على بينة من ذلك وقد اتقنا واجادا صناعته ونشر تعاليمه الى العالم العربي والاسلامي من خلال خط سور أيات القران الكريم واحاديث الرسول (ص) . ولم يقف او ينتهي الحرف بعدهم بالاستاذ الكبير هاشم البغدادي الذي ابهر العالم بخطوطه الرائعة والذي اهتم وبتركيز على تهذيب واناقة الحرف العربي وكان حضوره جلياً وواضحاً في تلك الخطوط التي ظلت تحفة خالدة للأجيال القادمة تطرز جدران جامع بنيه في منطقة علاوي الحلةببغداد وكذلك جامع الحيدرخانه في شارع الرشيد وخطوطه لم تقتصر على آيات القرأن الكريم بل تعدت ذلك الى امور اخرى فكل عراقي صغيراً وكبيراً شاهد خطوطه وخبرها وحفظها وقسم ادخرها شاء او لم يشأ عن دراية أو مصادفة وباستمرار وفي كل الاوقات فقد رسم المسكوكات والعملة الورقية وكذلك العملة المعدنية سابقاً وكذلك عملات بعض الدول العربية كالتونسية والليبية والمغربية والسودانية بخطوطه. والدكتور سلمان والبروفيسور أياد الحسيني والاستاذ يوسف ذنون والدكتوره بهيه والخطاطتان جنه واختها ولا يفوتني ان اعتذر عن ذكر الاسماء التي غادرت ذاكرتي والذين لم ينته الحرف العربي بهم فالعراق رحم ولاّد للمآثر والعظماء والعباقره الافذاذ وقبل كل هؤلاء خطاط المصحف الشريف الإمام علي(ع) وبيده الكريمة صاغ تلك التحفة النادرة وخطها والمحفوظة في ضريحه الشريف وقد أوصانا عليه السلام بقوله (عليكم بحسن الخط فانه من مفاتيح الرزق) .
قيموا الخط والخطاطين واكرموهم لمقولة رسول الله (ص)
“اكرموا الخطاط والخياط فانهما يأكلان من ماء عيونهما”
فالخطاط كان في زمن الخلفاء يجلس على يمين الخليفة لتدوين أوامر وقوانين الدولة والى زمن العثمانيين لتدوين(فرمانات) الوالي . وفي وقت ليس بالبعيد كان الادباء والشعراء العرب يتكلفون مشقة السفر من اجل الوصول الى بغداد لغرض خط عنوان لكتاب او ديوان او اسم مجلة او جريدة او اصدار أدبي او تصميم شعار لمؤتمر أو مناسبة معينة ويبرز الخط العربي حتى في اعلام ورايات الدول العربية وفي المحافل الادبية والرياضية والاجتماعية ولنا دلالات في شهادات التخرج التي زينب جدران بيوت ومكاتب الخريجين لتبدو لوحات فنية وكذلك خط الجزائز في مختلف المجالات .
الى ان جاءت ودخلت التقنية الحديثة(وللأسف) على الحرف العربي وجمدته!! فالحرف كان ولا يزال بيد الخطاط كطائر النورس في رفة جناحيه ينساب بتلقائية جميلة وحركاته ترفرف فوق الكلمات بزهو كبير مموسق بجميع انواعه ومختلف اشكاله وتكويناته مقارنه بحرف الحاسوب المقمط وكأنه في كفن قديم ليس فيه أي روح ولا حس ولا حركة فنية!! يمليه ويركبه دون أدنى معرفة فنية من ذلك الجالس خلف الحاسوب ليظهر لنا حرفاً او كلمة او جملة محنطة تفتقر الى ابسط درجات الجمالية .. نطالبكم وباصرار ان تبعدوا حروف الحاسوب المجردة من المحاسن عن حروف خطاطينا الرقراقة وخاصة في المدارس الابتدائية.
نعود للدراسة الحقيقية في أيام زمان ومن عاشها يتذكر كيف ان المعلم في بداية الدرس وقبل ان يدون ما يريد كتابته على السبورة يوجه كلامه بصوت مسموع الى الجميع: انتبهواجيداًوركزوا على حركة اصابعي ولاحظوا بأمعان كيفية رسم الحرف الذي سوف ارسمه لكم اضافة الى ذكر وسائل الايضاح المتعددة لايصال الفكرة كاملة الى العقل الغض الصغير للطفل المتلقي مثال ذلك يرسم حرف الباء بطبشور ابيض ثم يكمل رسمه بطبشور بلون أخر لينتهي الرسم كشكل بطة أو يرسم حرف الراء ليرسم تكملة الحرف شراع وما الى ذلك من حروف ورسوم الفرض ترسيخ الفكرة زيادة على الاناشيدللتذكرة ما يجعل الغض الصغير يتباهى عندما يكتب واجبه البيتي بتأني ورتابة واجتهاد مقلداً معلمه وكان المعلم في حينها وهذا الشعور يلازمني لحد الان مع احتساب الفارق الزمني بأنه اكثر محنة من بعض الاباء على ابنائهم وينتبه بدقة على جميع الطلبة دون تمييز ويستفسر عن بعضهم اذا ما لاحظن عليه علامات تغيير، واليوم (وللأسف) اقولها بمرارة لم نجد من ذلك الذي كاد ان يكون رسولا اية علامة للرسالة ولادالة للشفقة بل ان اغلب الذين التقيتهم وسمعت عنهم من حملة شعار (اشخط يومك يمعود) لست بصدد طرح مثل هذه المداخلة ولكني ادعو الشرفاء من اصحاب القرار في وزارة التربية وعلى رأسهم السيد الوزير الى الاتفات وبسرعة لعمل دورات مكثفة لمعلمي ومعلمات المدارس الابتدائية وبالأخص معلمي ومعلمات اللغة العربية والمدرسين والمدرسات لنفس المادة في المدارس المتوسطة والاعدادية في دورات تقوية للخط لتعليمهم قواعد الخط العربي على أيدي اساتذة اكفاء من ذوي الاختصاص في معاهد الفنون الجمية او معاهد متخصصة بالخط ولكون السنة الدراسية على الابواب اؤكد دعوتي على تعليم خط النسخ وهو خط القرأن الكريم لما فيه من الوضوح والدلالة ولاختزال الزمن ولان تدريس جميع انواع الخطوط يحتاج لفترة مران زمنية طويلة واعادة تدريس (كراسة هاشم) لسنة 1961 والعمل بها لما فيها من السلاسة والبساطة للتعليم كمادة اساس في دروس اللغة العربية ولجميع المراحل الدراسية دون استثناء كما كان معمولا بها سابقاً .
ولا اظن بل اجزم مامن أحد سواء أكان حائزا على شهادة متقدمة ام مجردا من الشهادة يقرأ ويكتب لاغير واتحدى من يغاير ذلك وان كان يكره ان يكون خطه جميلاً وحتى من كان من الاجانب الذين لم يعرفوا العربية . تراهم يأنسون لمشاهدة حروف الخط العربي والزخرفة الاسلامية .
انصفوا يا اصحاب القرار في وزارة التربية الانامل الغضة الصغيرة في الصفوف الابتدائية فهم اللبنة الاولى والاساس في التعليم لترسم الحرف الجميل بطرق علمية سليمة لتكون الكلمة الطيبة وعلى قاعدة (التعلم في الصغر كالنقش على الحجر).
وان كان هناك من يدعو بعدم وجود متسع من الوقت ولقلة الكادر التدريسي فالوقت متسع كبير فدوام المدارس لايتعدى الساعة الواحدة ظهراء فبالاستطاعة المشاركة بعد الدوام في دورات مسائية وان كان ولابد فأقامة دورات مكثفة في عطلة نصف السنة او في عطلة نهاية السنة الدراسية. .ذلك رأي والرأي الاخر والاهم الذي يشيع الفائدة للجميع صغاراً وكبارا ان يصار الى عمل برنامج يومي أو اسبوعي من خلال قنوات التلفاز يبث في أوقات مناسبة للافادة ويا حبذا في بداية فترة برامج الاطفال .
دعوة جادة الى الجهات ذات العلاقة للحفاظ والاهتمام على كافة الصعد على هذا الارث العظيم في بلد الموروثات لكي لانتجاهل عظام الامور ونحن اهل الشأن! ففي ماليزيا وقبل فترة تظافرت الجهود في عدة مؤسسات ثقافية في محاولة لأعادة الكتابة بالحرف العربي او يعرف (بالخط الجاوي) وقد اقرت الحكومة الماليزية في عام 1999 قانونا يحث على العودة الى تدريس (الحرف الجاوي) ودعمته سنة 2005 بفرض تدريسي(جي قاف) اي تعليم الكتابة (بالخط الجاوي) وتدريس الدين الاسلامي واللغة العربية في برنامج يسمى (فرض عين) في المدارس الابتدائية .
تنبهوا للخط قيمة فنية واخلاقية كبيرة وقد صدق الامام علي حين قال (الخط يزيد الحق وضوحاً) ودعوة شيخ الخطاطين المرحوم هاشم الخطاط البغدادي عندما قال : اردنا الحفاظ على هذا الفن الرفيع والدعوة الى وجوب الاهتمام به باعتباره من ارقى مظاهر وفنون امتنا العريقة .
الخط يبقى زمانا بعد كاتبه
وكاتب الخط تحت الارض مدفون









