د. علي حداد
سمي الإنسان كذلك ـ وكما شاءت العربية أن تضع للمفردة من محمول دلالي ـ لأنه (يأنس) بغيره من البشر الأسوياء ، بمعنى أنه يتطامن ـ وعلى نحو غريزي ـ مستجيباً الى وجود مجتمعي يجد نفسه ضمنه ، فينسجم معه،ويؤسس ممارساته السلوكية والتزامه ألاعتقادي والأخلاقي على مستقر فيه .
وحين تسعى تلك الكينونة الاجتماعية المسماة (الإنسان) الى مغادرة صلتها الطبيعية بالآخرين فإن ذلك يعني وجود خلل في تلك الذات المفردة.
ويمسي الأمر أكثر خطورة حين تجيء تلك المغادرة بطريقة عدوانية تلحق الضرر بالمؤسسة الاجتماعية ، لأنها تستحيل إلى انحراف مرضي تشخصه القوانين والأعراف على أنه خرق يستحق عليه جانيه العقوبات الرادعة ، ويتصدى له علم النفس لدراسته في مجال (علم نفس الإجرام) الذي يؤكد وجود تراكمات من العقد والمشكلات السلوكية التي ولدت ذلك الاستعداد للانحراف عن المسار الانساني السوي.
وإذ يحدث هذا على مستوى السلوك الفردي الذي تسعى المجتمعات الانسانية الى الحد من خطره فإن الأمر يصبح إشكالية مريرة حين يتحول ذلك النزوع العدواني الفردي الى سلوك (قطيعي) لمجاميع من المسوخ البشرية التي تتعامى عن تكيفات وجودها الإنساني وما يفترضه من تماه قيمي يسترشد بثوابت سلوكية وأخلاقية هي جزء من بداهة الممارسة الإنسانية القويمة ، لتصطنع لها ممارسات جمعية خاصة وأنماط فعل تتكيف على نحو شرير وباطش وتدميري ، لتستهدف كل المواضعات والقيم التي تنادي بها القوانين السماوية والوضعية .
إن عوامل متداخلة عدة هي التي ستوفر لذلك التكوين المتردي في سديمية قناعاته المظلمة مشغلات تكونه وانتشاره ، ومن أولى تلك العوامل حضور أرضية فكرية لها طروحاتها التي تمنح ذلك الجمع اللامبارك شرعية ممارساته .
وفي الحديث الذي نحن بصده من أمر (داعش) ومثيلاتها من تكوينات الهدم التي طفت على سطح حاضرنا العربي والإسلامي ، يبدو أن تلك القوى المعبأة بكراهيتها لكل معجم الضوء ومترادفاته قد وجدت في الفكر السلفي (الوهابي) مستندها الذي يشرعن لها أفعالها ، وهو الفكر الذي تكثر فيه الدعوة لمواجهة كل رأي يختلف معه لا بالمجادلة والحجة الراسخة ، بل عبر سبيلين لا ثالث لهما : (الاستتابة) و(القتل) ، حتى وأن كان الآخر مسلماً يتعلق بأستار الكعبة.
ونستذكر ـ مادمنا في أيامنا الحالية حيث موسم الحج وطقوسه المقدسة ـ مايعانيه الحجيج المسلم الذي يختلف معهم في مذهبيته ، ولاسيما العراقي ومثله اليمني من عسف القيميين على شؤون البيت الحرام من اتباع المذهب الوهابي ـ الذي يتبنى (الداعشيون) منهجيته ـ وسلوكهم المسعور الذي وصل حد قتلهم لأولئك الحجاج وهم في ملابس الإحرام . وهو ماوثقه المؤرخ اليمني الكبير (مطهر علي الإيرياني) في كتابه (المعجم اليمني في اللغة والتراث ،ص287) حيث يذكر الآتي :” كانت قوافل الحجاج ـ وبعد خروجهم من اليمن ـ تعاني من أهوال قطاع الطرق والمتعصبين الذين يستحلون دماء المسلمين باسم اسلام متخلف يدينون به ” . ثم يروي واحدة من مجازرهم التي وقعت في العام 1922م تلك التي قتل فيها أكثر من ألفين ومئتين من الحجاج اليمنيين الذين كانوا بملابس الإحرام ، حيث ” كانوا يقتلونهم بالرصاص أو ذبحاً، وهم يصرخون ببدائية متوحشة(اقتلوا المشرج…اقتلوا المشرج) أي المشرك!!
تتساوق ـ في تكوين الظاهرة الداعشية ـ مع ذلك الفكر الماضوي الغارق في كراهية الآخر وجود قوى عالمية راهنة أكثر شراً ، قرأت فكر تلك المجاميع وممارساتها ، فوضعت اليد عليها ،ووظفتها في خدمة مآربها ، وراحت تطلقها في الوقت الذي وجدته مناسباً لاستكمال مشاريعها في العبث بمقدرات الآخرين والنيل منهم. وهكذا أعيد انتاج وجود تلك المجاميع التي ليس لها من التوصيف الانساني إلا الشكل الذي ما انفكوا يحاولون الغاء اعتيادية مواضعاته عبر توحيش الملامح ، و التلثم المغبر ، والتصرف العدواني والحركة (القطيعية) ، وشكل الملبس الذي تخيروه سمةً لهم.
تردد بعض وسائل الأعلام المحلية والعربية وصف شراذم داعش بـ (الجرذان) ، وإذا بدا ذلك في أفق التلقي العام تعبيراً مجازياً فلعله ـ في البعد الذي تؤشره الوقائع ـ يمسي لصيق الحقيقة حين يقف المتلقي ليتأمل طبيعة هذه المخلوقات ، وظهورها المريب كنبت شيطاني في هذه المرحلة بالذات،والامكانات المادية والسوقية التي توافرت عليها .
قرأت ـ وقبل أكثر من عقد من السنين ـ عن تجارب أجريت في مختبرات عالمية على الجرذان التي تكاثرت أعدادها عن المعتاد في المناطق الزراعية في أكثر من بلد ، حتى باتت آفات مدمرة . ويبدو أن العمل المختبري كان يتجه نحو انتاج وسائل مكافحة غير تقليدية ، تنال من الجرذان عبر إجراء تبدلات سلوكية داخل مجتمعها نفسه .
كانوا يأتون بأعداد منها فيضعونها مجتمعة في أقفاص ويمنعون عنها الطعام بعد أن يكونوا قد أطعموها في وقت سابق حد التخمة ، لتبدأ تلك المخلوقات ـ بعد مدة وحين يستبد الجوع بها ـ بالبحث عن الطعام ، وحين يعجزها أمره لايكون أمامها إلا أن تهاجم بعضها البعض ويأكل القوي منها الضعيف .
وإذ يستمر مارثون الافتراس الدموي هذا وعلى شكل جولات من صراع الوجود ، يصبح المؤكد فيه أن البقاء حصة للأقوى والأكثر قدرة على النيل من الآخرين .
وفي آخر الشوط يبقى جرذ واحد اكتمل ترويضه على أداء مهمة واحدة لا غير: افتراس أبناء جنسه الجرذان ، وعندها يجري اطلاقه في المزارع لينظفها منهم ؟ّ!
* * *
* ومضة :
يجيئون
من أكثر لحظات التاريخ سواداً
ليغطوا وجه الحاضر بالدم
لكأنهمو قرأوا قول الله :
” … وجادلهم بالتي هي أحسن “
وأضافوا من عندهمو : ” بالسكين …”
alhaddad55@yahoo.com





